تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
ووصل الرّسولان بخبرهم ، فركب السّلطان من الغد وعبّا عساكره وصمّم لمعاجلتهم ، فلقيهم أثناء طريقه وهاجمهم فهاجموه ، ثم ولّوا الأدبار منهزمين وصرع الكثير من أعيانهم وأمرائهم في صدر موكبه ، فما غشيهم الليل إلا وهم مصفّدون في الحديد ، يقدمهم الأمير تنم نائب الشام وأكابرهم كلهم . ونجا الأتابك أيتمش إلى القلعة بدمشق ، فآوى إليها واعتقله نائب القلعة . وسار السّلطان إلى دمشق ، فدخلها على التعبئة في يوم أغرّ ، وأقام بها أيّاما ، وقتل هؤلاء الأمراء المعتقلين وكبيرهم الأتابك ذبحا ، وقتل تنم من بينهم خنقا ، ثم ارتحل راجعا إلى مصر .

[ زيارة ابن خلدون لبيت المقدس ]

وكنت استأذنت في التقدّم إلى مصر بين يدي السّلطان لزيارة بيت المقدس ، فأذن لي في ذلك ، ووصلت إلى القدس ودخلت المسجد وتبرّكت بزيارته والصّلاة فيه ، وتعفّفت عن الدّخول إلى القمامة لما فيها من الإشادة بتكذيب القرآن ، إذ هو بناء أمم النّصرانيّة على مكان الصّليب بزعمهم ، فنكرته نفسي ونكرت الدّخول إليه ، وقضيت من سنن الزّيارة ونافلتها ما يجب . وانصرفت إلى مدفن الخليل عليه السّلام . ومررت في طريقي إليه ببيت لحم ، وهو بناء عظيم على موضع ميلاد المسيح ، شيّدت القياصرة « 1 » عليه بناء بسماطين من العمد الصّخور منجّدة مصطفّة ، مرقوما على رؤوسها صور ملوك القياصرة وتواريخ دولهم ، ميسّرة لمن يبتغي تحقيق نقلها بالتّراجمة العارفين لأوضاعها . ولقد يشهد هذا المصنع بعظم ملك القياصرة وضخامة دولتهم .
هامش
( 1 ) يعني القياصرة البيزنطيين ، وبالفعل كانت الدّولة البيزنطية آنذاك وعاصمتها القسطنطينية ( إستانبول حاليا ) ، من أعظم ممالك الدّنيا ، وكان أكثر المشرق جاريا في ملكهم منذ عام 395 م ، بما في ذلك سورية وفلسطين ، إلى أن فتح المسلمون القدس عام 638 م وحافظوا على المقدّسات المسيحية فيها .
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 297 | أحمد ايبش