تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
فمضت ثلاث سنين ، وجرى للسّلطان الملك النّاصر ما جرى من وقعة حطّين وأخذه جميع الملوك ، وفتحه بلاد السّاحل بإذن اللّه تعالى « 1 » . فطلب مني جارية للملك النّاصر ، فأحضرت جارية حسنة ، فاشتريت له مني بمائة دينار ؛ فأوصلوا إليّ تسعين دينارا وبقيت عشرة دنانير فلم يلتقوها في الخزانة ذلك اليوم ، لأنه أنفق جميع الأموال ، فشاوروه على ذلك ، فقال : امضوا به إلى الخزانة التي فيها السّبي من نساء الإفرنج ، فخيّروه في واحدة منهن يأخذها بالعشرة الدّنانير التي له . فأتيت الخيمة ، فعرفت غريمتي الإفرنجية ، فقلت : أعطوني هاتيك . فأخذتها ومضيت إلى خيمتي وخلوت بها ، وقلت لها : أتعرفينني ؟ قالت : لا ، فقلت : أنا صاحبك التاجر الذي جرى لي معك ما جرى ، وأخذت منّي الذّهب ، وقلت ما بقيت تبصرني إلا بخمسمائة دينار ، وقد أخذتك بعشرة دنانير . فقالت : مدّ يدك ، أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمّدا رسول اللّه . فأسلمت وحسن إسلامها . فقلت : واللّه لا وصلت إليها إلا بأمر القاضي ، فرحت إلى ابن شدّاد « 2 » وحكيت له ما جرى ، فعجب وعقد لي عليها ، وباتت تلك الليلة عندي فحملت مني . ثم رحل العسكر ، وأتينا دمشق ، وبعد مدّة يسيرة أتى رسول الملك يطلب الأسارى والسّبايا باتّفاق وقع بين الملوك ، فردّوا من كان أسيرا من الرّجال والنساء ، ولم يبق إلا التي عندي ، فسألوا عنها واتّضح الخبر أنها عندي وطلبت مني .
هامش
( 1 ) وكان ذلك في عام 583 ه / 1187 م ، ومن ضمنه فتحه لمدينة عكّا التي جرت بها وقائع بداية الحكاية ، والتي بقيت في يده حتى عام 587 ه / 1191 م ، عندما سقطت بيد الملك الإنكليزي ريتشارد قلب الأسد قائد الحملة الصليبية الثالثة . ( 2 ) بهاء الدّين يوسف بن رافع الشهير بابن شدّاد ، كان قاضي عسكر السّلطان النّاصر صلاح الدّين الأيوبي وأحد أدنى مقرّبيه بأواخر حياته 584 - 589 ه . ألّف عنه كتابه الرائع الذائع الصيت : « النّوادر السّلطانية والمحاسن اليوسفية » ، نشرته عام 2003 .
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 237 | أحمد ايبش