تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
وصنّف في السّجن كتابا في تفسير القرآن سمّاه بالبحر المحيط في نحو أربعين مجلدا . ثم إن أمّه تعرّضت للملك النّاصر وشكت إليه ، فأمر بإطلاقه ، إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية . وكنت إذ ذاك بدمشق ، فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم ، فكان من جملة كلامه أن قال : إن اللّه ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا . ونزل درجة من درج المنبر . فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزّهراء ، وأنكر ما تكلّم به . فقامت العامّة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضربا كثيرا حتى سقطت عمامته ، وظهر على رأسه شاشيّة حرير ، فأنكروا عليه لباسها واحتملوه إلى دار عز الدّين بن مسلم قاضي الحنابلة ، فأمر بسجنه وعزّره بعد ذلك . فأنكر فقهاء المالكية والشافعية ما كان من تعزيره ، ورفعوا الأمر إلى ملك الأمراء سيف الدّين تنكز ، وكان من خيار الأمراء وصلحائهم ، فكتب إلى الملك النّاصر بذلك ، وكتب عقدا شرعيا على ابن تيمية بأمور منكرة منها : أن المطلّق بالثلاث في كلمة واحدة لا تلزمه إلا طلقة واحدة ، ومنها أن المسافر الذي ينوي بسفره زيارة القبر الشريف ( زاده اللّه طيبا ) لا يقصر الصلاة ، وسوى ذلك ممّا يشبهه ، وبعث العقد إلى الملك النّاصر ، فأمر بسجن ابن تيمية بالقلعة ، فسجن بها حتى مات في السجن .

ذكر مدارس دمشق

اعلم أن للشافعية بدمشق جملة من المدارس أعظمها العادلية ، وبها يحكم قاضي القضاة . وتقابلها المدرسة الظاهرية ، وبها قبر الملك الظاهر ، وبها جلوس نواب القاضي . ومن نوابه فخر الدّين القبطي ، كان والده من كتّاب القبط وأسلم ، ومنهم جمال الدّين بن جملة ، وقد تولى قضاء قضاة الشافعية بعد ذلك وعزل لأمر أوجب عزله .