تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خطط الشام — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
الولاة في هذه الديار يكونون على الأغلب ممن لا ذمم لهم ولا قدرة إلا على جلب المغانم لأنفسهم ، وإزهاق الأرواح في ذاك العصر من الأمور الهينة التي لا تستغرب . بعد الفتح العثماني واندحار المماليك في مرج دابق والضرب على أيدي العصاة في فلسطين ، كان الرجاء معقودا أن تخلد الشام إلى الراحة ويرفرف عليها طير السعد ، فزادت المكوس والضرائب على وجه قاس ، وكثر فساد جيش الدولة من الانكشارية والسباهية ، فكان يأتي على الأخضر واليابس في المدن والقرى ، خصوصا إذا جاء البلاد منهم فوق حاميتها كتائب أخرى لتشتي فيها ، وهناك يزيد الاعتداء على البيوت والأعراض والأموال . وربما تخطفوا النساء والأولاد في الأزقة رابعة النهار ، وفي أول حكم السلطان سليمان أي بعد أربع سنين من الفتح كان ما كان من عصيان الغزالي فهلك كثير من الأبرياء في دمشق وحلب ، وارتكب الوزير فرهاد باشا لتسكين الفتنة والضرب على يد الثائر من الشدة ما عج بالشكوى منه كل إنسان . ويمكن حصر مصائب هذا الدور في أمور ثلاثة : ظلم الوالي ويكون في الغالب عاتيا مرتشيا ، وظلم الجند في حلهم وترحالهم ، وشقاء الديار بصغار الأمراء من أهلها ، في الجبال والسهول ، وكبار أرباب النفوذ في المدن . وهذه الطبقة تطورت تطورا جديدا في عهد العثمانيين فكانت من أكبر الأسباب في فساد البلاد ، ولو صلحت وسلمت من ظلم بعضها بعضا لما استطاع الوالي التركي والقاضي التركي والقائد التركي أن يعملوا مباشرة في هذا القطر عملا مضرا . وأهمّ من هذا وذاك أن الدولة العثمانية على عهد عزها لم تفكر إلا في الفتوح ، وفي حرب من يجاورها من صغار الأمراء والملوك ، حتى إذا كانت أيام إدبارها وهي تبدأ من أواخر سلطنة سليمان القانوني ، كانت همتها مصروفة إلى قمع الفتن الأهلية ، ورد عادية أعدائها عن مملكتها الواسعة . إن ابن الشام لا يهتم كثيرا إذا بلغت جيوش الدولة العثمانية أواسط أوروبا في فتوحها وفتحت بودابست وأشرفت على فينا ، وإذا فتح سليمان زهاء ثلاثمائة حصن وقلعة ، وأصبح اسمه في الغرب مضرب الأمثال في الرهبة ، فكانت بعض الأمهات يخوفن أبناءهن باسمه إذا أردنهم على الرقود والكف عن البكاء ،