الوزير ووضع رجله الثانية في الركاب . وقال : عاهدناهم على أنهم إن مكنونا من بلادهم أبقيناهم عليها وجعلناهم أمراءها ، فهل يجوز لنا أن نخون العهد ونغدر ؟ وإذا أدخلنا أبناءهم في جندنا فهم أولاد مسلمين ويغارون على ديارهم ، وأما أراضيهم فأصلها ملك القائمين ومنهم من وقف معهم من قامت ذريته عليه من بعده ، فهل يجوز أن ننازع الملاك في أملاكهم ؟ وأنا أزلت الوزير كراهة أن يغير عليّ اعتقادي بتكرار كلامه اه .
كان القتل عند السلطان سليم أسهل أمر وألطفه ، وكان شديدا جدا على وزرائه قتل منهم سبعة لأسباب تافهة . وقال القرماني : إنه خنق إخوته وغيرهم من أهل بيته وعددهم سبعة عشر نفرا وذلك حين توليه الملك وجرى عند الأتراك في حكم الأمثال قولهم : من أراد الموت فليكن وزيرا للسلطان سليم ، لأن لقب وزير كان شهادة على الموت العاجل . وقال صولاق زاده : في عصر سليم كان الوزراء أبدا عرضة للتنحية ثم للقتل بعد شهر من تنصيبهم ، ولذلك اعتادوا أن يحملوا معهم صكوك وصاياهم ، وكلما كانوا يخرجون من مجلس السلطان يعتقدون أنهم عادوا إلى الحياة بعد الموت . وقد وصفه فوسكولو المؤرخ البندقي بأنه أقسى البشر قلبا لا يحلم بغير الفتوح والحرب اه .
ولم يكن السلطان سليم يراعي من جميع رجاله إلا المفتي الأعظم زنبيللي علي أفندي ، وكان هذا قوالا بالحق وكثيرا ما كان يرده عن مظالمه ، ويحول بينه وبين إزهاق النفوس بلا حق ، وقد أنقذ بعمله من القتل مئات من البشر ، وهذا المفتي العظيم تولى مشيخة الإسلام ستا وعشرين سنة على عهد ثلاثة سلاطين وهم با يزيد الثاني وسليم الأول وسليمان الأول :
لم يطل عهد هذا الفاتح الجبار أكثر من ثماني سنين وثمانية أشهر ، ولم يعمل في الشام إلا أن أقرّ القديم على قدمه في أسلوب الأحكام ، وغنم ما تيسر من ثروة المماليك والأغنياء ، وزاد في الضرائب والمكوس ، ونصب حكاما ممن استأمنوا إليه أو خانوا الدولة الأولى وتقربوا إليه منذ دخل حلب ووضع قيد الأسر للخليفة أمير المؤمنين المتوكل على اللّه آخر خلفاء بني العباس بمصر ، وأخذه معه لما انصرف إلى الآستانة ، ثم ألقى الاختلاف بينه وبين أولاد عمه أبي بكر وأحمد . وقال ابن إياس : إن السلطان سليما تغير خاطره على الخليفة
خطط الشام — صفحة 220
مساهمون: محمد كرد علي
ص٢٢٠