تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خطط الشام — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
وفي ذهاب السلطان إلى مصر وعودته إلى الشام قاسى الشاميون من اعتداء جنده كثيرا ، فقطع الأجناد الأشجار ورعوا الزروع وأخرجوا أهلها من بيوتهم في كل بلد واحتلوا وتعدوا على أعراض الناس ، فتضرر الناس بذلك وعرفوا أنهم أخطأوا في نفض أيديهم من أيدي الشراكسة لأول ما بدا لهم من قوة العثمانيين ، وخاب رجاؤهم في أن تغيير الدول قد يكون منه رحمة ، خابت الظنون لما جاء دور العمليات وغلط في الحساب من كانوا يتوقعون من الدولة الجديدة كل الخير وأن الحظ يحظهم متى خفقت أعلامها عليهم ، وكانوا يرقبون طلعة العثمانيين منذ سنين رقبة هلال العيد ، للاستمتاع بحكمهم الرشيد وعهدهم السعيد ، ولطالما ساء فأل من يهتمون للأمر الجديد ، ويفتحون له قلوبهم وصدورهم بادئ الرأي مع علمهم أحيانا بتهورهم ، وأي فشل أعظم لمن كانوا يطلعون الدولة الخالفة على عورات الدولة السالفة ، حبا بأن يكون لهم شيء من الراحة والهناء إذا تغيرت الدولة .

محاسن السلطان سليم ومساويه ومهلكه :

صرف السلطان سليم سنة وشهرا في فتح الشام ومصر وهلك بعد مغادرته القطرين بنحو ثلاث سنين ( 926 ) وقد بالغ مؤرخو الترك في وصف فضائله خصوصا من كتبوا بلسان الرسميات . وكثيرا ما يكون في الروايات الرسمية نظر كبير إذا وضعت على محك النقد التاريخي . وكان مؤرخو العرب أقرب إلى الثقة في وصف هذا الفاتح الذي هو بلا مراء نابغة العثمانيين أو من نوابغهم بعد محمد الفاتح . ترجمه النجم الغزي في الكواكب السائرة بقوله : كان السلطان سليم سلطانا قهارا ، وملكا جبارا ، قوي البطش ، كثير السفك ، شديد التوجه إلى أهل النجدة والبأس ، عظيم التجسس عن أخبار الملوك والناس ، وربما غير لباسه وتجسس ليلا ونهارا ، وكان شديد اليقظة والتحفظ ، يحب مطالعة التواريخ وأخبار الملوك ، وله نظم بالفارسية والرومية ( التركية ) والعربية . ومما قال ابن إياس فيه : إنه لم يجلس بقلعة الجبل ( بمصر ) على سرير الملك جلوسا عاما ، ولا رآه أحد ، ولا أنصف مظلوما من ظالم ، بل كان مشغوفا
خطط الشام — صفحة 218 | محمد كرد علي