تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خريدة العجائب وفريدة الغرائب — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
ما دام في العمر اخضرار عوده * سهل ، وصعب عوده إذا ذوى إذا أضيع أوّل العمر أبت * أعجازه إلا اعوجاجا والتوا
قيل : ورجع الإسكندر من بابل وقد أحاطت به البلابل وظهرت به آثار السقام ، حتى ثقل لسانه بالكلام وكان قد رأى في منامه وطيب لذيذ أحلامه أنه سيموت فوق أرض من حديد وتحت سماء من حديد ، ثم أخذه العطش والحمى والتلهب والظمأ ففرشوا تحته دروع الحديد وظللوا فوقه بالجحف الفولاذ استجلابا للتبريد ، فأفاق بعد زمان من الغشوة واللهف ، فرأى دروع الحديد تحته وفوقه الجحف ، فأيقن بارتحاله ، فكتب كتابا إلى أمه بصورة حاله وأوصاها بأن تعمل له وليمة عجيبة الأسلوب ، وأن لا يحضرها إلا من لا أصيب بخليل ولا محبوب . فلما مات رحمه اللّه وضع في تابوت من ذهب ليحمل إلى أمه بالإسكندرية ، واجتمعت له هذه النعم وعمره ست وثلاثون سنة . وكان مدة ملكه تسع سنين . فقال حكيم الحكماء : ليتكلم كل منكم بكلام ليكون للخاصة معزيا وللعامة واعظا . فقام أحدهم وقال : لقد أصبح مستأسر الملوك أسيرا . وقال آخر : هذا الإسكندر كان يخبأ الذهب فصار الذهب يخبؤه . وقال آخر : العجب كل العجب أن القوي قد غلب والضعفاء مغترون . وقال آخر : قد كنت لنا واعظا ولا واعظ أبلغ من وفاتك . وقال آخر : رب هائب لك لا يقدر أن يذكرك سرا وهو الآن لا يخافك جهرا . وقال آخر : يا من ضاقت عليه الأرض في طولها والعرض ، ليت شعري كيف حالك في قدر طولك ؟ . وقال آخر : يا من كان غضبه الموت هلا غضبت على الموت ؟ وقال آخر : سيلحق بك من سره موتك . وقال آخر : مالك لا تحرك عضوا من أعضائك وقد كنت تزلزل الأرض ؟
خريدة العجائب وفريدة الغرائب — صفحة 389 | أنور محمود زناتي / سراج الدين بن الوردي