تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
وأمّا تهديد الرعيّة بسبب نصيحتنا وتهديد طائفة العلماء ؛ فليس هذا المرجوّ من عدل السلطان وحمله ؛ وأيّ حيلة لضعفاء المسلمين الناصحين نصيحة للسلطان ولهم ، ولا علم لهم به ! وكيف يؤاخذون به لو كان فيه ما يلام عليه ؟ ! وأما أنا في نفسي فلا يضرّني التهديد ، ولا أكثر منه ، ولا يمنعني ذلك من نصيحة السلطان ؛ فإنّي أعتقد أنّ هذا واجب عليّ وعلى غيري ، وما ترتّب على الواجب فهو خير وزيادة عند اللّه تعالى ،
إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ
[ غافر : 39 ] ،
وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ
[ غافر : 44 ] ، وقد أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن نقول الحقّ حيثما كنّا ، وألّا نخاف في اللّه لومة لائم . ونحن نحبّ السلطان في كلّ الأحوال ، وما ينفعه في آخرته ودنياه ، ويكون سببا لدوام الخيرات له ، ويبقى ذكره على ممرّ الأيّام ، ويخلّد به في الجنّة ، ويجد نفسه
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً
[ آل عمران : 30 ] . وأما ما ذكر من تمهيد السلطان البلاد ، وإدامته الجهاد ، وفتوح الحصون ، وقهر الأعداء ؛ فهذا بحمد اللّه من الأمور الشائعة التي اشترك في العلم بها الخاصّة والعامّة ، وطارت في أقطار الأرض ، فللّه الحمد ، وثواب ذلك مدّخر للسلطان إلى يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرا ، ولا حجّة لنا عند اللّه تعالى إذا تركنا هذه النصيحة الواجبة علينا ، وعليكم السلام ورحمة اللّه وبركاته . وكتب إلى الملك الظاهر لمّا احتيط على أملاك دمشق : بسم اللّه الرحمن الرحيم . قال اللّه تعالى :
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
[ الذاريات : 55 ] . وقال اللّه تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ
[ آل عمران : 187 ] ، وقال تعالى :
وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
[ المائدة : 2 ] . وقد أوجب اللّه على المكلّفين نصيحة السلطان أعزّ اللّه أنصاره ونصيحة عامّة المسلمين ، ففي الحديث الصحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « الدّين النّصيحة للّه وكتابه وأئمّة المسلمين وعامّتهم » ؛ ومن نصيحة السّلطان وفّقه اللّه تعالى لطاعته ، وأولاه كرامته ، أن ننهي إليه الأحكام إذا جرت على خلاف قواعد الإسلام ، وأوجب اللّه تعالى الشفقة على الرعيّة ، والاهتمام بالضعفة وإزالة الضّرر عنهم ، قال اللّه تعالى :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[ الشعراء : 215 ] . وفي الحديث الصحيح : « إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من كشف عن مسلم كربة من كرب الدّنيا كشف اللّه عنه كربة من كرب يوم القيامة ، واللّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه » .