تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
أهل مصر ثلاث سنين يحاصرونهم . وصابروهم القتال في البرّ والبحر ؛ فلمّا رأى ذلك أهل مصر صالحوا الروم ، على أن يدفعوا لهم شيئا مسمّى في كل عام ، على أن يمنعوهم ويكونوا في ذمّتهم ، ثمّ ظهرت فارس على الرّوم ، فلمّا غلبوهم على الشام ، رغبوا في مصر ، وطمعوا فيها ؛ فامتنع أهل مصر ، وأعانتهم الرّوم ، وقاتلت دونهم ، وألحّت عليهم فارس ، فلما خشوا ظهورهم عليهم صالحوا فارس ، على أن يكون ما صالحوا عليه الرّوم بين الروم وفارس ، فرضيت الروم بذلك حين خافت ظهور فارس عليها ، فكان ذلك الصلح على مصر ، وأقامت مصر بين الرّوم وفارس سبع سنين ، ثم استجاشت الرّوم ، وتظاهرت على فارس ، وألحّت بالقتال والمدد ، حتّى ظهروا عليهم وخربوا مصانعهم أجمع ، وديارهم الّتي بالشام ومصر ، وكان ذلك في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : وفيه نزلت :
ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ . . .
[ الروم : 1 ، 2 ] الآية ، فصارت الشام كلّها صلحا ومصر خالصا للروم ، وليس لفارس في الشام ومصر شيء . قال الليث بن سعد : وكانت الفرس قد أسّست بناء الحصن الذي يقال له سبيل أليون « 1 » ، وهو الحصن الذي بفسطاط مصر اليوم ؛ فلمّا انكشف جموع فارس وأخرجتهم الروم من الشام ، أتمّت الروم بناء ذلك الحصن ، وأقامت به ، وأرسل هرقل المقوقس أميرا على مصر ، وجعل إليه حربها وجباية خراجها ، فنزل الإسكندريّة « 2 » ، فلم تزل في ملك الرّوم حتّى فتحها اللّه تعالى على المسلمين . قال صاحب مباهج الفكر : هذا الحصن يسمّى قصر الشمع .

ذكر من دخل مصر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

قال أبو عمر محمد بن يوسف الكنديّ في كتاب فضائل مصر : دخل مصر من الأنبياء إدريس وهو هرمس ، وإبراهيم الخليل ، وإسماعيل ، ويعقوب ، ويوسف ، واثنا عشر نبيّا من ولد يعقوب - وهم الأسباط - ولوط ، وموسى وهارون ، ويوشع بن نون ، ودانيال ، وأرميا ، وعيسى بن مريم ؛ عليهم الصلاة والسلام . قلت : أمّا إبراهيم فقال ابن عبد الحكم : كان سبب دخوله مصر كما حدّثنا به أسد بن موسى وغيره ، أنّه لمّا أمر بالخروج عن أرض قومه والهجرة إلى الشام ، خرج ومعه
هامش
( 1 ) لعلّ الصواب : بابليون . ( 2 ) في مروج الذهب 1 / 405 : ينزل الإسكندرية في بعض الفصول ، وفي بعضها ينزل مدينة منف ، وفي بعضها قصر الشمع في وسط مدينة الفسطاط .
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 48 | جلال الدين السيوطي / خليل المنصور