مصر ، وجميع الأرض يحتاجون إليها ، وكانت الأنهار بقناطر وجسور بتقدير ؛ حتّى إنّ الماء يجري تحت منازلهم وأفنيتهم يحبسونه متّى شاؤوا ، ويرسلونه متى شاؤوا ، وكانت البساتين بحافّتي النيل من أوّله إلى آخره ما بين أسوان إلى رشيد لا تنقطع ؛ ولقد كانت المرأة تخرج حاسرة ولا تحتاج إلى خمار لكثرة الشجر ، ولقد كانت المرأة تضع المكتل « 1 » على رأسها فيمتلىء ممّا يسقط فيه من الشجر ، وكان أهل مصر ما بين قبطيّ ، ويونانيّ وعمليقيّ ؛ إلّا أنّ جمهورهم قبط ، وأكثر ما يملكها الغرباء . وكانت خمسا وثمانين كورة « 2 » ، منها أسفل الأرض خمس وأربعون كورة ، ومنها بالصّعيد أربعون كورة ؛ وكان في كلّ كورة رئيس من الكهنة - وهم السّحرة - وكانت مصر القديمة اسمها أقسوس ، وكانت منف مدينة الملوك قبل الفراعنة وبعدهم إلى أن خرّبها بخت نصّر ؛ وكان لها سبعون بابا ، وحيطانها مبنيّة بالحديد والصّفر « 3 » ، وكان يجري تحت سرير الملك أربعة أنهار ، وكان طولها اثني عشر ميلا . وكان جباية مصر تسعين ألف ألف دينار مكرّرة مرّتين بالدينار الفرعونيّ ، وهو ثلاثة مثاقيل .
وقال صاحب مباهج الفكر ومناهج العبر « 4 » : حدّ مصر طولا من ثغر أسوان ، وهو تجاه النّوبة إلى العريش ، وهو مدينة على البحر الروميّ ، ومسافة ذلك ثلاثون مرحلة ، وحدّه عرضا من مدينة برقة الّتي على ساحل البحر الروميّ إلى أيلة التي على بحر القلزم ، ومسافة ذلك عشرون مرحلة . وتنسب إلى مصر . وقيل : مصر بن بيصر بن حام . ويسمّي اليونان بلد مصر مقدونية ، وأوّل مدينة اختطّت بمصر مدينة منف ، وهي في غربيّ النيل ، وتسمّى في عصرنا بمصر القديمة . ولما فتح « 5 » عمرو بن العاص مصر أمر المسلمين أن يحيطوا حول فسطاطه « 6 » ، ففعلوا ، واتّصلت العمارة بعضها ببعض ، وسمّي مجموع ذلك الفسطاط . ولم يزل مقرّا للولاية والجند إلى أن وليه أحمد « 7 » بن
هامش
( 1 ) المكتل زنبيل من خوص يحمل فيه التمر وغيره .
( 2 ) في معجم البلدان : الكورة كلّ صقع يشتمل على عدّة قرى ، ولا بدّ لتلك القرى من قصبة أو مدينة أو نهر ، يجمع اسمها ذلك اسم الكورة .
( 3 ) الصفر : النحاس الأصفر .
( 4 ) وهو الوطواط 1234 - 1319 م . [ المنجد في الأعلام ] .
( 5 ) في الكامل لابن الأثير 2 / 394 : في سنة عشرين هجرية فتحت مصر على يد عمرو بن العاص ، وفتحت الإسكندرية سنة خمس وعشرين .
( 6 ) في المنجد : الفسطاط بيت من شعر .
( 7 ) أصبح أحمد بن طولون واليا سنة 254 ه . [ انظر الكامل لابن الأثير : 5 / 339 ] .