هؤلاء ؟ قال : يا بنيّ هؤلاء الشرط . فأقام المؤذّنون الصلاة ، فقام عمرو بن العاص على المنبر ، فرأيت رجلا ربعة قصد « 1 » القامة وافر الهامة ، أدعج أبلج ، عليه ثياب موشيّة ، كأنّ به العقيان « 2 » ، تأتلق عليه حلّة وعمامة وجبّة ، فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ووعظ النّاس ، وأمرهم ونهاهم ، ثمّ قال : يا معشر النّاس إنّه قد نزلت الجوزاء ، وذكت الشّعرى ، وأقلعت السماء ، وارتفع الوباء ، وقلّ النداء ، وطاب المرعى ، ووضعت الحوامل ، ودرجت السخائل ، وعلى الرّاعي حسن النظر لرعيّته ، فحيّ لكم على بركة اللّه ريفكم ، تنالوا من خيره ولبنه ، وخرافه وصيده ، وأربعوا خيلكم وأسمنوها وصونوها وأكرموها ، فإنها جنّتكم « 3 » من عدوّكم ، وبها مغانمكم وأثقالكم ، واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيرا ؛ حدّثنا عمر أمير المؤمنين أنّه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إنّ اللّه سيفتح عليكم بعدي مصر ، فاستوصوا بقبطها خيرا ، فإنّ لكم منهم صهرا وذمّة » ، فعفّوا أيديكم وفروجكم ، وغضّوا أبصاركم ، ولا أعلمنّ ما أتى رجل قد أسمن جسمه ، وأهزل فرسه . واعلموا أنّي معترض بالخيل كاعتراض الرجال ؛ فمن أهزل فرسه من غير علّة حططت من فريضته قدر ذلك . واعلموا أنّكم في رباط إلى يوم القيامة ، لكثرة الأعداء حولكم وتشوّق قلوبهم إليكم وإلى دياركم ، معدن الزرع والمال ، والخير الواسع والبركة النامية . وحدّثني عمر أمير المؤمنين ، أنّه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إذا فتح اللّه عليكم مصر ، فاتّخذوا فيها جندا كثيفا ، فذلك الجند أجناد الأرض » ، فقال له أبو بكر : ولم يا رسول اللّه ؟ قال :
« لأنّهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة » ، فاحمدوا اللّه معاشر المسلمين على ما أولاكم ، فتمتّعوا في ريفكم ما طاب لكم ؛ فإذا يبس العود وسخن العمود ، وكثر الذباب ، وحمض اللبن ، وصوّح « 4 » البقل ، وانقطع الورد من الشجر ، فحيّ على فسطاطكم ، على بركة اللّه تعالى وعونه ، ولا يقدمنّ أحد منكم ذو عيال على عياله إلّا ومعه تحفة لعياله على ما أطاق من سعته أو عسرته ؛ أقول قولي هذا وأستغفر اللّه ، وأستحفظ اللّه عليكم .
قال : فحفظت ذلك عنه ، فقال والدي : يا بنيّ إنّه يجرّىء الناس إذا انصرفوا إليه على الرّباط كما جرّأهم على الريف والدّعة .
هامش
( 1 ) قصد القامة : مستوي القامة .
( 2 ) العقيان : الذهب الخالص .
( 3 ) الجنّة : السترة .
( 4 ) صوّح البقل : يبس .