فوجد الأب الشيخ محمد كرّا عنده ، فقال له الفقيه مالك : يا سيّدى ، إن الوصية فيها خير عظيم ، وإنك فعلت مع الناس من المعروف ما لا يوصف ، وكل وزرائك وأهل مملكتك راضون عنك . فإن وصّيت بشئ أظنّه بل أتحقّقه أنه ينفّذ ولا بدّ . فأوص لعل ولدك ينتفع بوصيّتك . فقال :
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
« 1 »
.
فأعاد عليه الفقيه مالك هذا القول ثانيا ، فقال هو ذلك أيضا . فأعاد عليه ثالثا ، فقال ذلك أيضا .
فتركه بعد الثالثة ، ثم قضى نحبه ، عليه سحائب الرحمة .
فحين توفّى بكى عليه الأب [ الشيخ ] والفقيه مالك . وبعد البكاء قال الفقيه مالك للأب [ الشيخ ] : ماذا أنت صانع الآن ؟ . قال الأب [ الشيخ ] : سأريك ما أصنع . فقام من وقته ، ودخل الدار ، ودعا محمد فضل ، وكان أكبر ولديه ، لأنه لم يترك من الذكور إلّا محمد فضل ، و [ محمد ] بخارى « 2 » ، ومن الإناث حوّاء « 3 » ، وستّ النساء ، وأمّ سلمى ، فأقعد محمد فضل ولبّسه الخاتم ، وعمّمه وقلّده بالسيف ، وأجلسه على كرسىّ السلطنة ، وأدخله في حجرة ، وأرخى عليه سترا ، وأرسل في الحال إلى جماعته ، فحضروا متقلّدين سيوفهم ، شاكين السلاح . فأوقفهم ( 124 ) على الأبواب ، ورتّب منهم جماعة يحرسونه .
ونفعه في ذلك باب سرّ كان بين بيته وبيت السلطان ، بحيث أنّ العساكر دخلت منه ، ولم يشعر بها أحد . ثم أرسل إلى أكثر الوزراء جماعة ، وأقواهم شوكة ، الملك إبراهيم ود رماد ، إنسانا يقول له : إن السلطان يأمرك بالذّهاب إليه . فجاء ، فلمّا دخل الباب وجد العساكر وقوفا ، فراعه أمرهم ، ولم يجد بدّا من الدخول . ولما وصل إلى محلّ
هامش
( 1 ) سورة : الطلاق ، آية : 3 .
( 2 ) كان للسلطان عبد الرحمن ولدان آخران ، أحدهما الأمير محمد أبو مدين والآخر لم يعرف اسمه .Voyage au Darfour , p . 373 .( 3 ) في الأصل : حوى ، بفتح الحاء والواو .