تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
الشرعي ، وبالطريقة نفسها تجرى مصادرة ممتلكات الموظفين العسكريين ، وكثير من الجنود عقب وفاتهم . وبحسبة بسيطة نجد أن الطاعون الذي أتى في مصر على أرواح ما يتردد بين ثلاثين ألفا وأربعين ألف نسمة في مدينة القاهرة وحدها ، أضاف إلى خزائن الباشا حوالي عشرين ألف كيس ( صرّة ) ، أو إن شئت فقل : عشرة ملايين قرش ، وهذا المبلغ كفيل بخنق أي نوع من المشاعر الإنسانية في قلوب الأتراك . مسألة تناقص عدد السكان ومن ثم تناقص المداخيل المنتظمة ، مسألة لا تخطر ببال الحاكم التركي ، الذي لا يحسب سوى النتائج المباشرة المترتبة على أي حادث من الأحداث ، شريطة أن يضمن لنفسه السلامة ، ولثروته النمو والزيادة ، ولكن دونما نظر إلى مصير رعاياه ، ونظرا لأن الطاعون يندر أن ينتشر في الأرض المفتوحة ، ومن ثم لا يحرم الأرض الزراعية من عمالها ، فإن ذلك يجعل الباشاوات في مأمن من الخوف من ذلك الطاعون ؛ هذا يعنى أن أي باشا من الباشاوات لن يقتنع مطلقا بأن السياسة والإنسانية يحتمان إزالة أسباب الطاعون ، إلا بعد أن يرى بنفسه إقليما من الأقاليم أو منطقة من المناطق وقد تخلخل سكانها من ناحية وأن الحقول التي تعود عليه بالمداخيل قد هجرها العاملون فيها « * » . الأمر يبدو كأن إسطنبول والقاهرة كانتا مستودعين للطاعون في الشرق ، وأنهما كانتا تصدران ذلك الوباء إلى بعضهما البعض ، وإلى البلدان المجاورة أيضا ، وأنا هنا أجدني عاجزا عن تحديد الوسيلة التي كان من الممكن على الدول الأوروبية أن تقنع الباشا الكبير بها لكي يتخذ الإجراءات الكفيلة بالمحافظة على سلامة عاصمته ، وبالتالي ضمان سلامة سكان تركيا الأوروبية والأناضول ، لكني لا يخامرنى شك في
هامش
( * ) يظهر بشكل واضح إهمال حكومة مصر في المحافظة على حياة رعاياها في إهمالها لمرض الجدري وعدم العمل على معالجته ؛ حيث كان ينتشر على شكل وباء في الوجه القبلي ، شأنه في ذلك شأن الطاعون ، الذي لا ينتشر إلا نادرا في الوجه القبلي ، يزاد على ذلك أن العروض المتعددة التي قدمت لمحمد على باشا بشأن مسألة التحصين ضد الجدري لم تلق منه أذنا صاغية ، ولو كلف محمد على باشا نفسه مؤونة السؤال لعرف أن بلدة إسنا الصغيرة وقع فيها في عام 1813 م ما يزيد على مائتين وخمسين شخصا ، من الكبار والصغار ، فرائس لمرض الجدري ، الذي ازداد عنفوانه في هذه البلدان عنها في أوروبا .
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 206 | جان لوئيس بوركهارت