تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
من قطع تواصلهم واتصالهم ببقية الناس في المدينة المصابة ، لأن ذلك يكون شبيها بالفرار من الطاعون ؛ ومع ذلك فإن الدين الإسلامي يحبذ إجراءات الحجر الصحي ويوصى بها ، وذلك من باب منع استيراد المرض ، أو نقله إلى الغرباء والأجانب عند وصولهم إلى المدينة . الإيمان بالقضاء والقدر متأصل وراسخ في عقول دول الشرق كلها ، " وأن من يموتون بسبب الطاعون هم شهداء " . هذا الرأي الشائع عام بين المسلمين ، وهم يعتقدون أن ملك الموت الخفي ، المسلح برمح ، يلمس الضحايا الذين سيصابون بالطاعون ، ومن هنا يعتقد الناس أن الشيطان اتخذ لنفسه موقعا في ذلك المكان ، لكي يجرح أولئك الذين يمرون عليه ، من هنا نجد العرب يسلكون طريقا دائريا ، تحاشيا لعدوهم ، على الرغم من أنهم كانوا على قناعة من سرعة خطوه وقدرته على اللحاق بهم أينما ذهبوا . مسألة هروب المسيحيين والفرنجة من المرض عن طريق حبس أنفسهم في منازلهم لا تعدو أن تكون مجرد دليل عكسي طفيف ، والتأخير في اتباع هذه الإجراءات غالبا ما يتسبب في إحداث معدل وفيات طفيف بين أهل ينبع ، والحالات التي من هذا القبيل يجرى الاستشهاد بها فيما بعد في التدليل على حماقة محاولة الاعتراض على العناية الإلهية ، زد على ذلك ، أن بعض المسيحيين الشرقيين الذين يأخذون بالمعايير التركية ، ويتأثرون بمفاهيم القضاء والقدر ، يعتقدون أيضا أن مسألة اتخاذهم للإجراءات الوقائية الخاصة بسلامتهم أمر تافه وسطحى . يتهاون الأتراك في كثير من واجباتهم الدينية ، إلى الحد الذي قد لا يجعل من الصعب عليهم تبنى بعض الأفكار العقلانية ، ومع ذلك لا يمكن لأحد من هؤلاء الأتراك اتخاذ أية إجراءات خاصة ، نظرا لاقتناع الجميع بحماقة مثل هذه الإجراءات والتصرفات وعدم فعاليتها . لو لم يكن ذلك هو واقع الحال منذ زمن طويل لتمكن الأتراك من اكتشاف الوسائل التي تمكنهم من الوقاية من المرض ، وذلك على الرغم من تدينهم الشكلى ؛ وهذا هو ما يفعله العرب حاليا في الحجاز ، ولأمكن لعلمائهم التوصل إلى الفتاوى والنصوص الشرعية المساندة لذلك الذي أمكنهم التوصل إليه بفضل حسهم الطيب . هناك حديث شريف يقول ما معناه :
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 203 | جان لوئيس بوركهارت