تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
في ذروة شدة أزمة الطاعون ، بأنهما قد ماتا وفارقا الحياة ودفنهما الناس أحياء ، وقد كشف واحد منهما عندما كان الناس يضعونه في القبر عن بعض علامات الحياة ، وبالتالي أمكن إنقاذه ، أما جثمان الشخص الآخر ، الذي رآه الناس عندما كانوا يفتحون القبر بعد أيام عدة من وفاته ، لدفن جثمان أحد أقاربه ، فكان غارقا في الدماء في منطقة اليدين والوجه ، كما وجد الكفن ممزقا ، بفعل المحاولات التي بذلها الميت وهو يحاول الخروج من القبر ، وعندما رأى الناس ذلك قالوا : إن الشيطان شوه جسده بعد أن فشل في إيذاء روحه . انتبه محافظ ينبع - من باب الحرص - إلى أهمية عدم نشر الأرقام الحقيقية لعدد الوفيات ، لكن الدعاء المهيب : " لا إله إلا الله ، " الذي يدل على مرور جنازة أحد المسلمين ، كان يتناهى إلى الأسماع من كل مكان ومن كل حي من أحياء بلدة ينبع ، وأنا بنفسي أحصيت اثنين وأربعين دعاء من هذا القبيل في يوم واحد فقط . يتحول الطاعون عند الفقراء إلى مناسبة حقيقية ؛ ذلك أن الأسر القادرة تذبح خروفا عندما يموت أحد أفرادها ، كما تذبح أيضا خروفا ثانيا في اليوم التالي للوفاة ، ويجرى دعوة كل النساء والرجال إلى منزل الميت في هذين اليومين . تدخل النساء بيت المتوفى ويحتضنّ ويعزين إناث أسرة المتوفى ، معرضات أنفسهن من حين لآخر للإصابة بالعدوى . هذه العادة ، أكثر من العادات الأخرى ، هي المسئولة عن سرعة انتشار الطاعون في السواد الأعظم من البلدان الإسلامية ؛ والسبب في ذلك أن الطاعون إذا ما أصاب أو تفشى في عائلة من العائلات ، يصعب جدا ألا ينتقل إلى كل المنطقة المجاورة لتلك العائلة . يشيع بين الأوروبيين بل وبين المسيحيين الشرقيين أيضا اعتقاد مفاده أن دين محمد صلى اللّه عليه وسلم يمنع اتخاذ الإجراءات الاحتياطية ضد الطاعون ، لكن ذلك اعتقاد خاطئ . هذا الدين يحرم على أتباعه تحاشى المرض إذا ما دخل مدينة أو بلدا من البلدان ، لكن هذا الدين يحذر أتباعه أيضا من دخول أي مكان ينتشر فيه وباء الطاعون ، وتأسيسا على ذلك فإن هذا الدين يمنع الأفراد من عزل أنفسهم في المنازل ، كما يمنعهم أيضا