تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
دقيق ، وبسكويت ، وزبد ، حصلت عليها من جدة بثلث الثمن الذي تباع به في مكة ، وعقب وصولى إلى مكة مباشرة استأجرت سكنا لائقا في حي من أحياء المدينة غير المطروقة ، ويسمونه حارة المسفلة . في هذا الحي تمتعت بميزة وجود بعض الأشجار الكبيرة التي كانت أمام نافذتى ، كان منظر هذه الأشجار ، بين هذه الصخور القاحلة التي أحرقتها الشمس ، يدخل السرور إلى نفسي أكثر من أي منظر طبيعي آخر من المناظر التي يمكن أن أراها في ظروف مختلفة عن الظرف الذي أنا فيه حاليا . في هذا المكان كنت أتمتع بحرية واستقلال أحسد عليهما ، ترددت على أماكن كثيرة ، ورأيت الكثير من المجتمع بالطريقة التي تعجبني ، واختلطت بكثير من الحجاج الأجانب من كل أنحاء الدنيا ، ولم أكن محطا للملاحظات البذيئة أو الاستفسارات المستفزة . وعندما كان أحد يسأل عن أصلى ( وهذا أمر نادر الحدوث في مكان يعج بالغرباء والأجانب ) ، كنت أقول إني واحد من فيلق المماليك الذين جرى تجريدهم من سلطتهم في مصر ، وكان سهلا على تحاشى أولئك الأشخاص الذين ربما أدت معرفتهم الوثيقة بالبلاد إلى اكتشاف كذبى وتنكرى ، لكن لم يكن هناك ما يخيفنى من النتائج التي يمكن أن تترتب على أكتشاف أمرى ، ذلك أن مسألة التنكر أمر سائغ بين الرحالة الشرقيين كلهم ، وبخاصة في مكة ، التي يدعى كل رحال فيها الفقر هربا من تكلفته ما لا يطيق أو تكبيده نفقات أو مصروفات كبيرة . طوال رحلاتى كلها في الشرق ، لم أتمتع بمثل حرية الحركة التي نعمت بها في مكة ، وسوف أحتفظ دوما بذكرى طيبة لمقامى في ذلك البلد ، وذلك على الرغم من أن حالي الصحي لم يسمح لي بالاستفادة من المزايا كلها التي هيأها لي الموقف الذي كنت فيه ، وسوف أبدأ الآن في وصف المدينة ، وسكانها ، والحج ، ثم أستأنف بعد ذلك قصة أسفارى .