تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
قومة المؤذنين ، وبين يديه ساعيا أحد القومة ، وفي يده عود مخروط أحمر ، قد ربط في رأسه مرس من الأديم المفتول ، رقيق طويل ، في طرفه عذبة « 1 » صغيرة ينفضها بيده في الهواء نفضا ، فتأتي بصوت عال يسمع من داخل الحرم وخارجه ، كأنه إيذان بوصول الخطيب . ولا يزال في نفضها إلى أن يقرب من المنبر ، ويسمونها الفرقعة . فإذا قرب من المنبر عرج إلى الحجر الأسود فقبله ، ودعا عنده ثم سعى إلى المنبر ، والمؤذن الزمزمي ، رئيس المؤذنين بالحرم الشريف ، ساع أمامه لابسا ثياب السواد أيضا ، وعلى عاتقه السيف يمسكه بيده دون تقلد له ، فعند صعوده في أول درجة ، قلده المؤذن المذكور السيف . ثم ضرب بنعلة سيفه فيها ضربة ، أسمع بها الحاضرين ، ثم في الثانية ، ثم في الثالثة . فإذا انتهى إلى الدرجة العليا ضرب ضربة رابعة ، ووقف داعيا مستقبل الكعبة بدعاء خفي . ثم انفتل عن يمينه وشماله وقال : السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته . فيرد الناس عليه السلام . ثم يقعد ، ويبادر المؤذنون بين يديه في المنبر بالأذان على لسان واحد . فإذا فرغوا قام للخطبة ، فذكر ووعظ وخشع فأبلغ . ثم جلس الجلسة الخطيبية ، وضرب بالسيف ضربة خامسة . ثم قام للخطبة الثانية ، فأكثر بالصلاة على محمد ، صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله ، ورضي عن أصحابه ، واختص الأربعة الخلفاء بالتسمية ، رضي اللّه عن جميعهم ، ودعا لعمي النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، حمزة والعباس ، وللحسن والحسين ، ووالى الترضي عن جميعهم . ثم دعا لأمهات المؤمنين زوجات النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، ورضى عن فاطمة الزهراء ، وعن خديجة الكبرى ، بهذا اللفظ . ثم دعا للخليفة العباسي أبي العباس أحمد الناصر ، ثم لأمير مكة مكثر بن عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن جعفر بن أبي هاشم الحسني ، ثم لصلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب ولولي عهده أخيه أبي بكر بن أيوب . وعند ذكر صلاح الدين بالدعاء تخفق الألسنة بالتأمين عليه من كل مكان .
وإذا أحبّ اللّه يوما عبده * ألقى عليه محبّة للناس « 2 »
وحق ذلك عليهم لما يبذله من جميل الاعتناء بهم ، وحسن النظر لهم ، ولما رفعه من
هامش
( 1 ) العذبة ( بفتح العين والذال ) : العلاقة أو العروة ، ولعلها من الجلد . ( 2 ) البيت للشاعر ابن عبد ربه الأندلسي ( 860 - 939 م ) .