تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
المشتهرين بالخير والزهادة ، وهما مسجدان موسومان بالبركة ، دخلنا إليهما متبركين بالصلاة فيهما ، وذلك يوم السبت التاسع عشر لمحرم . وبهذه المدينة آثار ومصانع من بنيان القبط وكنائس معمورة الآن بالمعاهدين من نصارى القبط . ومن أعظم الهياكل المتحدث بغرائبها في الدنيا ، هيكل عظيم في شرقي المدينة وتحت سورها ، طوله مئتا ذراع وعشرون ذراعا ، وسعته مئة وستون ذراعا ، يعرف عند أهل هذه الجهة بالبربا « 1 » . وكذلك يعرف كل هيكل عندهم ، وكل مصنع قديم . قد قام هذا الهيكل العظيم على أربعين سارية ، حاشا حيطانه . دور كل سارية منها خمسون شبرا ، وبين كل سارية وسارية ثلاثون شبرا ، ورؤوسها في نهاية من العظم والإتقان ، قد نحتت نحتا غريبا فجاءت مركنة بديعة الشكل ، كأن الخراطين تناولوها ، وهي كلها مرقشة بأنواع الأصبغة اللازوردية وسواها . والسواري كلها منقوشة من أسفلها إلى أعلاها . وقد انتصب على رأس كل سارية منها رأس صاحبتها التي تليها لوح عظيم من الحجر المنحوت ، من أعظمها ما كلنا فيه ستة وخمسين شبرا طولا وعشرة أشبار عرضا وثمانية أشبار ارتفاعا . وسقف هذا الهيكل كله من ألواح الحجارة المنتظمة ببديع الإلصاق ، فجاءت كأنها فرش واحد . وقد انتظمت جميعه التصاوير البديعة والأصبغة الغريبة ، حتى يخيل للناظر فيها أنها سقف من الخشب المنقوش . والتصاوير على أنواع في كل بلاط من بلاطاته ، فمنها ما قد جللته طيور بصور رائقة ، باسطة أجنحتها توهم الناظر إليها أنهاتهم بالطيران ، ومنها ما قد جللته تصاوير آدمية رائقة المنظر رائعة الشكل . قد أعدت لكل صورة منها هيئة هي عليها ، كإمساك تمثال بيدها ، أو سلاح ، أو طائر ، أو كأس ، أو إشارة شخص آخر بيده ، أو غير ذلك ، مما يطول الوصف له ولا تتأتى العبارة لاستيفائه . وداخل هذا الهيكل العظيم وخارجه وأعلاه وأسفله تصاوير كلها مختلفات الأشكال والصفة ، ومنها تصاوير هائلة المنظر خارجة عن صور الآدميين يستشعر الناظر إليها رعبا ويتملأ منها عبرة وتعجبا . وما فيه مغرز أشفى « 2 » ولا إبرة إلا وفيه صورة أو نقش أو خط بالمسند لا يفهم . قد عم هذا الهيكل العظيم الشأن كله هذا
هامش
( 1 ) بربا أو بربة ( جعها برابي ) : معبد أو مدفن مصري قديم . ( 2 ) الأشفى : المخرز .