تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
الحجاج بين أيدي هؤلاء المتناولين لها مواقف خزي ومهانة تذكرهم أيام المكوس . وهذا أمر يقع القطع على أن صلاح الدين لا يعرفه . ولو عرفه لأمر بقطعه ، كما أمر بقطع ما هو أعظم منه ، ولجاهد المتناول له ، فإن جهادهم من الواجبات لما يصدر عنهم من التعسف وعسير الإرهاق وسوء المعاملة مع غرباء انقطعوا إلى اللّه عزّ وجل ، وخرجوا مهاجرين إلى حرمه الأمين . ولو شاء اللّه لكانت عن الخطة مندوحة « 1 » في اقتضاء الزكاة على أجمل الوجوه من ذوي البضائع في التجارات ، مع مراعاة رأس كل حول الذي هو محل الزكاة ، وبتجنب اعتراض الغرباء المنقطعين ممن تجب الزكاة له لا عليه ، وكان يحافظ على جانب هذا السلطان العادل الذي قد شمل البلاد عدله وسار في الآفاق ذكره ، ولا يسعى فيما يسيء الذكر بمن قد حسن اللّه ذكره ، ويقبح المقالة في جانب من أجمل اللّه المقالة عنه . ومن أشنع ما شاهدناه من ذلك خروج شرذمة من مردة أعوان الزكاة ، في أيديهم المسال « 2 » الطوال ذوات الأنصبة ، فيصعدون إلى المراكب استكشافا لما فيها ، فلا يتركون عكما ولا غرارة « 3 » إلا ويتخللونها بتلك المسال الملعونة مخافة أن يكون في تلك الغرارة أو العكم اللذين لا يحتويان سوى الزاد شيء غيّب عليه من بضاعة أو مال . وهذا أقبح ما يؤثر في الأحاديث الملعّنة ، وقد نهى اللّه عن التجسس ، فكيف عن الكشف لما يرجى ستر الصون دونه من حال لا يريد صاحبها أن يطلع عليها ، إما استحقارا أو استنفاسا دون بخل بواجب يلزمها ، واللّه الآخذ على أيدي هؤلاء الظلمة بيد هذا السلطان العادل وتوفيقه ، إن شاء اللّه .

معالم في الطريق إلى قوص

ومن المواضع التي اجتزنا عليها بعد أخميم المذكورة موضع يعرف بمنشأة السودان على الشط الغربي من النيل ، وهي قرية معمورة ، ويقال : إنها كانت في القديم مدينة كبيرة . وقد قام أمام هذه القرية ، بينها وبين النيل ، رصيف عال من الحجارة كأنه السور
هامش
( 1 ) المندوحة : السعة والفسحة ، وهي هنا بمعنى التساهل والتيسير . ( 2 ) المسال : جمع مسلة ، وهي الإبرة الكبيرة لخياطة الأكياس والعدول . ( 3 ) العكم ( بكسر العين ) والغرارة : العدل والكيس الكبير من القنب أو الشعر أو الكتان .
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 45 | ابن جبير