تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
الصخر عجبا من العجائب الباقية الآثار ، العلوج الأسارى من الروم وعددهم لا يحصى كثرة ، ولا سبيل أن يمتهن في ذلك البنيان أحد سواهم . وللسلطان أيضا بمواضع أخر بنيان ، والأعلاج يخدمونه فيه . ومن يمكن استخدامه من المسلمين في مثل هذه المنفعة العامة مرفه عن ذلك كله ولا وظيفة في شيء من ذلك على أحد . ومما شاهدناه أيضا من مفاخر هذا السلطان المارستان الذي بمدينة القاهرة . وهو قصر من القصور الرائقة حسنا واتساعا ، أبرزه لهذه الفضيلة تأجرا واحتسابا ، وعيّن قيما من أهل المعرفة وضع لديه خزائن العقاقير ومكنه من استعمال الأشربة وإقامتها على اختلاف أنواعها . ووضعت في مقاصير ذلك القصر أسرة يتخذها المرضى مضاجع كاملة الكسي . وبين يدي ذلك القيم خدمة يتكفلون بتفقد أحوال المرضى بكرة وعشية ، فيقابلون من الأغذية والأشربة بما يليق بهم . وبإزاء هذا الموضع ، موضع مقتطع للنساء المرضى . ولهن أيضا من يكفلهن . ويتصل بالموضعين المذكورين موضع آخر متسع الفناء ، فيه مقاصير عليها شبابيك الحديد ، اتخذت محابس للمجانين . ولهم أيضا من يتفقد في كل يوم أحوالهم ويقابلها بما يصلح لها . والسلطان يتطلع هذه الأحوال كلها بالبحث والسؤال ، ويؤكد في الاعتناء بها والمثابرة عليها غاية التأكيد . وبمصر مارستان آخر على مثل ذلك الرسم بعينه .

مسجد ابن طولون ومآثر السلطان العمرانية

وبين مصر والقاهرة المسجد الكبير المنسوب إلى أبي العباس أحمد بن طولون ، وهو من الجوامع العتيقة الأنيقة الصنعة الواسعة البنيان ، جعله السلطان مأوى للغرباء من المغاربة يسكنونه ويحلقون فيه ، وأجرى عليهم الأرزاق في كل شهر . ومن أعجب ما حدثنا به أحد المتخصصين منهم أن السلطان جعل أحكامهم إليهم ، ولم يجعل يدا لأحد عليهم . فقدموا من أنفسهم حاكما يمتثلون أمره ويتحاكمون في طوارئ أمورهم