وقطعنا هذه الليلة البهماء في مصادمة أهوال ، ومكابدة أوجال ، ومقاساة أحوال ، يا لها من أحوال ! ثم أصبحنا يوم السبت ليوم عصيب ، أخذ من هول ليلته بأوفر نصيب ، والأمواج والرياح تترامى بنا حيث شاءت ، وقد استسلمنا للقضاء ، وتمسكنا بأسباب الرجاء . ثم تداركنا صنع اللّه تعالى مع المساء ، ففترت الريح ولان متن البحر وأسفر وجه الجو . وأصبحنا يوم الأحد ثاني دجنير ، والخامس والعشرين لشعبان ، وقد بدل لنا من الخوف الأمان وتطلعت الوجوه كأنها انتشرت من الأكفان ، وساعدت الريح بعض مساعدة . فعدنا نطلب من البر أثرا بعد عين ، ونرجم الظنون بين متى وأين . واللّه ، عز وجل لطيف بعباده وكفيل بمعهود صنعه الجميل ومعتاده ، لا رب سواه .
شهر رمضان المعظم عرفنا اللّه البركة والقبول بمنه وكرمه
استهل هلاله ليلة الجمعة السابع لشهر دجنبر ونحن بإزاء الأرض الكبيرة على متن البحر مترددين ، وقد من اللّه علينا بريح شرقية فاترة المهب سرنا بها سيرا رويدا حتى وصلنا هذا الموضع من إزاء الأرض الكبيرة المذكورة ، وأبصرنا فيها ضياعا عمارة كثيرة ، أعلمنا أنها من قلورية ، وهي من بلاد صاحب صقلية ، لأن بلاده في الأرض الكبيرة تتصل نحو شهرين . وبهذا الموضع نزل كثير من البلغريين فائزين بأنفسهم لمسغبة مست أهل المركب لعدم الزاد ونفاده . وحسبك أنا كنا نقتصر على مقدار رطل من الخبز اليابس ، نتقسمه بين أربعة منا ، نبله بيسير من الماء فنتبلغ به . وكل من نزل من البلغريين باع فضلة زاده ، فترفق المسلمون بابتياع ما أمكن منه على غلائه ، وانتهى إلى مقدار خبزة بدرهم من الخالص . فما ظنك بمدة شهرين على ظهر البحر في مسافة ظن الناس أنهم يقطعونها في عشرة أيام أو خمسة عشر يوما الغاية . فالحازم من أدخل زاد ثلاثين يوما ، وسائر الناس لعشرين يوما ، ولخمسة عشر يوما .
ومن العجب في الاتفاقات في الأسفار البحرية ، أنا استطلعنا على ظهر البحر أهلة ثلاثة أشهر : هلال رجب ، وهلال شعبان ، وهلال رمضان هذا . وفي يوم مستهله مع