تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
الإسكندرية عن عهد نحو خمسين يوما فأسقطتهما الريح . فأقمنا بذلك المرسى أربعة أيام ، وجدد الناس به الماء والزاد ، لأن العمارة كانت منا قريبا ، فنزل أهل الجزيرة وبايعوا أهل المركب في الخبز واللحم والزيت وما كان عندهم من الأدم . ولم يكن خبزهم برا خالصا ، إنما كان خليطا بالشعير وكان يضرب للسواد . فتهافت الناس عليه على غلائه ، ولم يكن بالرخيص في سومه ، وشكروا اللّه على ما من به عليهم . وفي هذا المرسى كمل لنا على ظهر البحر أربعون يوما ، والحمد للّه على كل حال . ومدة مقامنا بالمرسى لم يفتر عصوف الريح الغربية ، وعادت أشد ما يكون هبوبا . فحمدنا اللّه تعالى على أن لم تأخذنا ونحن على ظهر البحر جارين ، والحمد للّه على جميل صنعه .

بين اليأس والرجاء

وأقلعنا من المرسى المذكور يوم الاثنين التاسع عشر لشعبان المذكور ، والسادس والعشرين لنونبر ، بريح طيبة موافقة ، فاستبشرنا بها واستطلعنا جميل صنع اللّه ، عزّ وجل ، ولطف قضائه ، لا رب سواه . وتمادى سيرنا إلى يوم الخميس الثاني والعشرين لشعبان ، والتاسع لنونبر . ثم انقلبت الريح غريبة وأنشأت سحابة فيها رعد قاصف ، وزجتها ريح عاصف ، وتقدمها برق خاطف ، فأرسلت حاصبا من البرد صبته علينا في المركب شآبيب متداركة ، فارتاعت له النفوس ، ثم أسرع انقشاعها ، وانجلى عن الأنفس ارتياعها ، وبتنا ليلة الجمعة مبيت وحشة وطالعنا بها اليأس من مكمنه . فلما أسفر الصبح وطلع النهار أبصرنا بر صقلية لائحا أمامنا . فيا لها بشرى ومسرة ، لو لم تعد حسرة في كرة ! فأمسينا ليلة السبت ، وهو أول يوم من دجنبر ، ونحن على إدراكه في أقل من ثلثها أو منتصفها ، ولكل أجل كتاب وميقات . وكم أمل تعترض دونه الآفات ، فما كان إلا كلا ولا حتى ضربت في وجوهنا ريح أنكصتنا على الأعقاب ، وحالت بين الأبصار والارتقاب . وما زالت تعصف ، حتى كادت تنسف وتقصف ، فحطت الشرع عن صواريها ، واستسلمت النفوس لباريها ، وتركنا بين السفينة ومجريها . وتتابعت علينا عوارض ديم ، حصلنا منها ومن الليل والبحر في ثلاث ظلم ، وعباب الموج تتوالى صدماته ، وتطفر الألباب رجفاته . فنبذت نفوسنا كل أمنية ، وتأهبت للقاء المنية .