تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
الظنون ، ونغازل المنون ، حذرا من نفاد الزاد والماء ، والحصول بين المهلكين الجوع والظماء . فمن قائل يقول : إنا قد ملنا في جرينا إلى بر المغرب ، وهو بر أفريقية . وآخر يزعم : أنا قد ملنا إلى بر الأرض الكبيرة « 1 » ، بر القسطنطينية وما يليها . ومنهم من يقول : إلى اللاذقية جهة الشام . ومنهم من يقول : إلى دمياط بر الإسكندرية . وكنا نحذر أن تلجئنا الريح إلى إحدى جزائر الرمانية الخالية ، فنشتو فيها ، أو تضطرنا الحال إلى المعمور منها . وليس في هذه الوجوه المتوقعة كلها وجه فيه حظ لمختار ، حتى أتى اللّه بالفرج ، وأذهب البأس واليأس ، ومكن في النفوس الإيناس ، بعد مكابدة الأمرين ، ومقاساة البرحين ، فلله در القائل « 2 » :
البحر مرّ المذاق صعب * لا جعلت حاجتي إليه أليس ماء ونحن طين * فما عسى صبرنا عليه
ونحن الآن بفضل اللّه تعالى نتطلع البشرى بظهور بر صقيلة ، إن شاء اللّه .

هول العاصفة

وفي النصف من ليلة الأحد الحادي عشر منه انقلبت الريح غربية ، وكشف النوء من الغرب ، وجاءت الريح عاصفة فأخذت بنا جهة الشمال . وأصبحنا يوم الأحد المذكور والهول يزيد ، والبحر قد هاج هائجه ، وماج مائجه ، فرمى بموج كالجبال ، يصدم المركب صدمات يتقلب لها على عظمه تقلب الغصن الرطيب ، وكان كالسور علوا فيرتفع له الموج ارتفاعا يرمي في وسطه بشآبيب كالوابل المنسكب . فلما جنّ الليل اشتد تلاطمه ، وصكت الآذان غماغمه ، واستشرى عصوف الريح . فحطت الشرع ، واقتصر على الدلالين الصغار دون أنصاف الصواري . ووقع اليأس من الدنيا ، وودعنا الحياة بسلام ، وجاءنا الموج من كل مكان ، وظننا أنا قد أحيط بنا ، فيا لها ليلة يشيب لها سود الذوائب ، مذكورة في ليالي الشوائب ، مقدمة في تعداد الحوادث
هامش
( 1 ) تتكرر هذه العبارة في عدة مواضع والمقصود بها البر الأوروبي مقارنة بالجزر في المتوسط . ( 2 ) هذا الشعر لابن رشيق القيرواني ( 100 - 1071 م ) .