تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
قبل نصف الليل فوصلنا بدرا وقد ارتفع النهار . وهي قرية فيها حدائق نخل متصلة ، وبها حصن في ربوة مرتفعة ، ويدخل إليها على بطن واد بين جبال . وببدر عين فوارة ، وموضع القليب « 1 » الذي كان بإزائه الواقعة الإسلامية التي أعزت الدين وأذلت المشركين ، هو اليوم نخيل ، وموضع الشهداء خلفه ، وجبل الرحمة الذي نزلت فيه الملائكة عن يسار الداخل منها إلى الصفراء ، وبإزائه جبل الطبول ، وهو شبيه كثيب رمل ممتد . وهذه التسمية لإشاعة لهج بها أكثر المسلمين ، وذلك أنهم يزعمون أن أصوات الطبول تسمع بها كل يوم جمعة ، كأنها آثار إنذارات باقية بما سلف من النصر النبوي في ذلك الموضع ، واللّه أعلم بغيبه . وموضع عريش النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، يتصل بسفح جبل الطبول المذكور ، وموضع الوقيعة أمامه . وعند نخيل القليب مسجد ، يقال : أنه مبرك ناقة النبي ، صلى اللّه عليه وسلم . وصح عندنا ، على زعم أحد الأعراب الساكنين ببدر ، أنهم يسمعون أصوات الطبول بالجبل المذكور ، لكن عين لذلك كل يوم اثنين ويوم خميس . فعجبنا من زعمه كل العجب ولا يعلم حقيقة ذلك إلا اللّه تعالى . وبين بدر والصفراء بريد ، والطريق إليها في واد بين جبال تتصل بها حدائق النخيل ، والعيون فيها كثيرة : منها حصنان يعرفان بالتوأمين ، وحصن يعرف بالحسنية ، وآخر يعرف بالجديد ، إلى حصون كثيرة ، وقرى متصلة .

شهر محرم سنة ثمانين وخمس مائة عرفنا اللّه بركته وبركة سنته

استهل هلاله ليلة السبت بموافقة الرابع عشر لشهر أبريل ونحن مقلعون من بدر إلى الصفراء ، فبتنا باستهلاله بهذه البقعة الكريمة : بدر ، حيث نصر اللّه المسلمين وقهر المشركين ، والحمد للّه على ذلك . وكان نزولنا بالصفراء إثر صلاة العشاء الآخرة . فأصبحنا يوم السبت ، مستهل الهلال المذكور ، مقيمين مريحين بها ، ليتزود الناس منها
هامش
( 1 ) القليب : البئر ، وهو هنا اسم ذلك الموضع الحافل بالنخيل .
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 148 | ابن جبير