تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
الحمد للّه . فعجبنا من أمره ، ومن معرفته طبعا بصلة الكلام وفصله ، دون تعلم . وأما فصاحتهم فبديعة جدا ، ودعاؤهم كثير التخشيع للنفوس ، واللّه يصلح أحوالهم وأحوال جميع عباده بمنه .

العمرة

والعمرة في هذا الشهر كله متصلة ليلا ونهارا ، رجالا ونساء ، لكن المجتمع كله إنما كان في الليلة الأولى ، وهي ليلة الموسم عندهم . والبيت الكريم يفتح كل يوم من هذا الشهر المبارك . فإذا كان يوم التاسع والعشرون منه أفرد للنساء خاصة ، فيظهر للنساء بمكة في ذلك اليوم احتفال عظيم ، فهو عندهم يوم زينتهم المشهور المستعد له . وفي يوم الخميس الخامس عشر من الشهر المذكور شاهدنا من الاحتفال للعمرة قريبا من المشهد الأول المذكور في أوله ، فكان لا يبقى أحد من الرجال والنساء إلا خرج لها . وبالجملة فالشهر المبارك كله معمور بأنواع العبادات من العمرة وسواها ، ويختص أوله ونصفه من ذلك بخط متميز ، وكذلك السابع والعشرون منه . وفي عشي يوم الخميس المذكور كنا جلوسا بالحجر المكرم ، فما راعنا إلا الأمير مكثر طالعا محرما ، قد وصل من ميقات العمرة تبركا بذلك اليوم وجريا فيه على الرسم وأبناؤه وراءه محرمين وقد حف به بعض خاصته . وبادر المؤذن الزمزمي للحين إلى سطح قبة زمزم ، داعيا على عادته ، ومتناوبا في ذلك مع أخيه صغيره . وحانت صلاة العشاء ، مع فراغ الأمير من طوافه ، فصلى خلف الإمام الشافعي ، وخرج إلى المسعى المبارك . وفي يوم الجمعة السادس عشر منه خرجت قافلة كبيرة من الحاج في نحو أربعمائة جمل مع الشريف الداودي إلى زيارة الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وفي جمادى الثانية قبله كانت أيضا زيارة أخرى لبعض الحجاج في قافلة أصغر من هذه المذكورة . وبقيت الزيارة الشوالية والتي مع الحاج العراقي إثر الوقفة ، إن شاء اللّه عز وجل . وفي التاسع عشر من شعبان كان انصراف هذه القافلة الكبيرة في كنف السلامة ، والحمد للّه .