تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحقيق ما للهند — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
سائر الاختلافات في كثرة النعم وقلّتها وتواتر الآفات وعدمها ممّا يدعو المتمدّنين إلى اختيار الأمكنة لبناء المدن من أجلها ، وهذا بسبب الرسوم الجارية ، لكنّ الأوامر الشرعيّة أقوى منها وأغلب على الطباع من الرسوم والعادات ، ألا ترى أنّ علل هذه مطلوبة وهي بحسبها مأخوذة أو مرفوضة وعلل تلك متروكة غير مطلوبة يتمسّك بها الأكثرون تقليدا ، ولا يحتجّون فيه بأكثر ممّا يحتجّ به ساكن البقعة النكدة إذا ولد بها ولم يشاهد غيرها من حبّ الوطن وصعوبة النقلة عن المسكن ، ثمّ إذا كان تفاضل البقاع من جهة أمر ملّيّ فقد حصل عند العاملين به ما لا ينقلع عن أفئدتهم إلى الأبد ؛ وللهند مواضع تعظّم من جهة الديانة مثل بلد « بارانسي » ، فإنّ زهّادهم يقصدونه ويلزمونه لزوم مجاوري الكعبة مكّة ، ويحرصون على أن تأتيهم « 1 » فيه آجالهم لتكون عقباهم بعد الموت خيرا ، ويقولون أنّ سافك الدم مأخوذ بذنبه مكافي على حوبه الّا أن يدخل بلد بارانسي فينال فيه العفو والغفران ، ويزعمون في سببه : أنّ « براهم » كان ذا أربعة أرؤس في الصورة ، وأنّه وقع بينه وبين « شنكر » وهو « مهاديو » شرّ تأدّت المنازعة بينهما فيه إلى اقتلاع أحد تلك الأرؤس منه ، وكانت العادة وقتئذ أن يتّخذ رأس المقتول بيد القاتل ويبقى معلّقا منها للخزي والعلامة ، وكذلك التحم « 2 » فخفّ رأس براهم بيد مهاديو وكان يطوف به في مقاصده ومتصرّفاته ، لا يزايله فيما دخل من البلاد إلى أن بلغ بارانسي ، وسقط الرأس من يده لمّا دخله وبان عنها ؛ ومن أمثال تلك البلاد « بوكر » ، وسببه : أنّ براهم كان يقيم فيه للنار قربانا فخرج منها خنزير ، ولذلك جعلوا صنمه على صورة خنزير ، وعمل خارج البلد في ثلاثة مواضع منه حياض مبجّلة هي متعبّدات ، ومنها « تانيشر » ويسمّى « كركيتر » أي أرض « كر » وكان رجلا فلّاحا زاهدا صالحا ، يعمل العجائب بالقوّة الإلهيّة ، فنسبت الأرض
هامش
( 1 ) من ز ، وفي ش : يأتيهم . ( 2 ) كذا في ز وش ، ولعلّه : التجم .
تحقيق ما للهند — صفحة 423 | احمد آرام / أبو ريحان البيروني