تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأسيس الغرب الإسلامي — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
في الفترة التي تمّ فيها التقاء روما - في أوج توسعها الإمبريالي - بالعالم المتوسّطي وعلى الخصوص مع العالم الهلنستي . لقد سجن بوليب في روما ونفي فيها ، فتعلم دروسا قاسية من المنفي ، ذاك « المعلم العنيف » للمؤرّخ والفيلسوف . وقد خفّفت عنه رعاية آل سيبيون إقامته ، ولكنّها أفادته خاصة في أنه تعلم الكثير عن تاريخ روما وقرطاج ، وبعد ست عشرة سنة من الأسر ، عاد بوليب إلى وطنه اليونان . ولكنه ما لبث أن غادره للتجوال في العالم . وخلال إقامته في إفريقية ، روي لنا أنّ سيبيون إيمليان
Scipion Emilien
أهداه أسطولا ليمكّنه من استكشاف السّاحل الأطلسي لإفريقية ، أي أننا أمام رجل مقدام وصاحب تجربة ولا يفتر له فضول . فبوليب لا يمثل فقط مصدرنا الأساسي لكل ما يمس الصّراع البونيقي - الروماني ، بل هو وبصفة أعمّ ، ملاحظ من الطّراز الأول لما يجري بإفريقية ومصر في زمنه . ولو وصل إلينا الأربعون كتابا التي تكوّن البراغماتيا
Pragmateia
، لكنّا عرفنا - ممّا لا شك فيه - أكثر مما نعرف حاليا ، وربما أمكننا التزوّد بأكثر المعلومات دقة ، ولكانت لنا معلومات دقيقة عن إفريقية السوداء التي تنقصنا تماما . وبالرغم من ذلك فإن الكتب الستة التي وصلت إلينا تتفوّق عن كلّ المصادر الأخرى بجودة معلوماتها ونظرتها الثاقبة . ب - بعد القرن الأول ، وطيلة الأربعة قرون التي كان خلالها النظام الإمبراطوري يتجذّر في إفريقية ، قبل دخوله في أزمة مطوّلة ، أصبحت المصادر الأدبية قليلة . لقد حدث فراغ شبه كلّي في القرن الثاني ، أما القرنان الثالث والرابع فقد طبعا بهيمنة الكتابات المسيحية ولا سيما كتابات سيبريان
Cyprien
، وأوغسطين
Augustin
وهي مصنّفات عامّة تتجاوز الإطار الإفريقي ، لتطرح المشاكل الدينية الكبيرة دون المساهمة في صنع الخطاب التاريخي المباشر ، غير أنها تمثل كذلك كتابات جدالية تتطرّق إلى المسائل في إبانها مما جعل لها وقعا مباشرا على الأحداث . هكذا قامت معرفتنا للحركة الدوناتية على هجومات أكبر