تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأسيس الغرب الإسلامي — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
والرّومانية ميدان الباحث الكلاسيكي ، ومصر الإسلامية ميدان الباحث في الإسلاميات . فهذه ثلاث فترات وثلاثة اختصاصات تدور في مدارات أكثر اتساعا ( العالم الكلاسيكي والإسلام ) . وحدث نفس الأمر في بلاد المغرب ، إذ اعتبر المهتم بالعالم البونيقي مستشرقا وكلاسيكيا في نفس الوقت ، في حين اعتبر المهتم بالبربر هامشيّا وغير قابل للتصنيف . وتتداخل اللغات والاختصاصات المختلفة في ميدان إفريقية السّوداء المتنوّع هو أيضا ، إذ توجد مصادر كلاسيكية ، ومصادر عربية ، وأخرى إفريقية تحديدا ، غير أنّه إذا ما وجدنا نفس الثلاثية في شمال الصحراء فإنّ هذه ليس لها نفس الأهمية ولا مدلول مماثل . توجد منطقة شاسعة أين لم توجد مصادر مكتوبة قبل القرن الخامس عشر ميلادي . بالنسبة لما تبقى من المناطق ، يمكن أن يكتسب مصدر عربي يتعلّق ببلاد المغرب ، بدرجة ثانية أهمية أساسيّة فيما يتعلق بحوض النيجر . إن المؤرّخ المختص في إفريقية السّوداء ، عندما ينكبّ على وثيقة مكتوبة بالعربية ، لا يتعامل معها بنفس الطريقة التي يتعامل معها المؤرخ المختص في بلاد المغرب ، ولا نفس طريقة تعامل مؤرخ الإسلام بصفة عامّة . يترجم هذا التقاطع والتداخل التركيبة الموضوعية لتاريخ إفريقية ، وكذلك توجّه علم التاريخ الحديث منذ القرن التاسع عشر . إنه حدث بالفعل أن أدمجت مصر في العالم الهلّنستي ، ثمّ في الإمبراطورية الرومانية ، وبعدها البيزنطيّة ثم لمّا دخلت في الإسلام أصبحت موطنه المشع . وقد حدث بالفعل أن نظر الكلاسيكيون إلى تاريخ إفريقية
Africa
على أساس أنّه صورة من تاريخ روما ، وأن إفريقية قد ترسّخت بعمق في مصير الرّومنة ، غير أنه كذلك حقيقي أن يكون مؤرخ إفريقية الرّومانية المعاصر نفسه مؤرخا للحضارة الرومانية قبل أن يكون مؤرخا لإفريقية وأن يخرج القسم الإسلامي من حقل اهتماماته العلمية ( الإبستمولوجية ) . إن إدراك تاريخ إفريقية إذن باعتباره كلا ، وأن نلقي عليه في هذا
تأسيس الغرب الإسلامي — صفحة 216 | هشام جعيط