تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأسيس الغرب الإسلامي — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
توثبها وانفعاليتها ، فهي صادقة ولا تقبل التنازل أبدا . هكذا تقدم لنا المناقب القديمة أجمل الوجوه التي تترجم أقصى ما بلغ إليه الورع في إفريقية مثل عبد الرحمان بن زياد بن أنعم ، وابن فروخ ورباح بن يزيد ، وبهلول بن راشد . أما الأوّلان منهم فقد كانا عالمين قبل كل شيء . ولد عبد الرحمان حوالي 76 ه وتوفي في 161 ه . وعرف المشرق جيدا ، وأخذ منه أحاديث وروّج فيه أخرى . من المؤكّد أنه التقى بسفيان الثوري وكذلك بابن لهيعة . وكان سلوكه إزاء السلطة محكّا للأخلاقية الدينية في إفريقية مما جعله موضوع حشو وإسقاط ، غير أن يزيد بن حاتم عزله بسبب شجاعته في تصدّيه له . أما ابن فروخ فقد كان أكثر ابتعادا عن الدنيا وأكثر ميلا للعبارات المؤثرة في الوجدان الديني . غير أن المجسّدين لتيار التصوّف الأوّلي كانا رباح بن يزيد والبهلول . وقد مثل هذا التزهّد ظاهرة مبتكرة بحقّ . ابتعد هذان الشخصان عن العلم ، ووجّها اهتمامهما إلى التطبيق العملي
Praxis
، فهما ليسا فقيهين ولا محدّثين وإنما من رجال اللّه . لقد وقع الإلحاح على عدائهما للأفكار الجديدة والبدع ، غير أن هذا الأمر مثّل الجانب الأقل أهمية فيهما . فهما يعرفان أولا كأهل صلاح بمعنى توخّي التمشي الأخلاقي المتوجّه إلى الخير وإلى اللّه في نفس الوقت . وهما طاهران وعادلان ومتعطشان للمطلق ، وفي نفس الوقت كانا رجلي فعل يتربّصان لمقاومة الشر . فزهدهما لم يكن تقشفا ولا تنسّكا كاملا ولكن تزهّدا . لقد كانت حياة رباح وحدها مثالا واضحا لتعريف كمال الفقر والخشوع ، إذ ذكر أنه يهرب من الثروة مثلما يهرب آخرون من الفقر ، وأنه ومنذ 15 سنة أي منذ حظيه اللّه بفضله ورعايته لم يعد يخشى سوى نفسه ، فهو يحب مرضه عندما يمرض وتوفي في سنّ 38 سنة . أمّا البهلول فهو أقلّ تأثيرا في إدراكنا لأنه أصبح شخصية مشغولة بسمعتها وتحيا حياتها كدور مسرحي ، وكذلك لم يكن على قدر عظيم من الأخلاقية الدينية .