تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأسيس الغرب الإسلامي — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
والتوابل الموجّهة إلى الطبقة الغنية والحاكمة . وقد كانت هذه التجارة برية قوافلية خاصة ، إذ كانت هذه القوافل عند انطلاقها من القيروان تتبع الطريق الساحلية ( التونسية ) ، ثم تقتفي طريق منطقة طرابلس وتمرّ بالفسطاط لتنفذ في النهاية إلى سوريا والعراق . وكانت هذه القوافل تنقل معها خليطا من الحجيج من رجال العلم والمسافرين . وهكذا كانت العلاقات التجارية تقترن مع الاتصالات البشرية والثقافية . في الجملة ، أرجع هذا النشاط التجاري المزدهر علاقات التضامن بين إفريقية وبقية فضاء إمبراطورية الخلفاء الأكثر عمقا . فمن مجال في أوج صعوده ، وعلى خلاف الغرب المسيحي الرّيفي ، أصبح فضاء يتمتّع باقتصاد نقدي أظهره توحّده كسوق واسعة تجلب إليها كل الكفاءات الجريئة .

الهياكل الاجتماعية

في الوقت الذي كان الفتح الإسلامي يفرض فيه نفسه كتوجه حضاري جديد ، كان يقوم بتغيير اجتماعي مهمّ أيضا إذ امتزجت العناصر القومية والعرقية والاجتماعية بتحديد المعنى والدينية امتزاجا حميميا . فإذا كانت التراتبية الاجتماعية كثيرا ما تتفق مع التصنيف العرقي ، فإن التضامن الواضح في الجملة والقوي بوجه الخصوص ، يطفو في بعض الأحيان ليخلق عالما منفصل العناصر ومركّبا في نفس الوقت . فالاندماج بين العناصر القديمة والجديدة ما زال بعيد المنال ، وبالرّغم من ذلك ، كانت القوى التي تعمل لتقريب الإثنيات شديدة العمق مثل اللغة العربية والدين الإسلامي خاصة . لقد برزت إفريقية إذن التي مثلت خليطا من الشعوب والقبائل ، ككيان اجتماعي غير متجانس ، فكان السكان القدامى ، الممثلون بالروم والأفارقة ، وقبائل البربر واليهود متفوّقين عدديا ، غير أن العناصر الجديدة المتكوّنة من العرب ومواليهم الشرقيين وبصفة أقل الفرس ، كانوا الأسياد
تأسيس الغرب الإسلامي — صفحة 151 | هشام جعيط