تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأسيس الغرب الإسلامي — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
والمؤسّسات الإسلامية أوجدت هناك وتأثّرت في فترة أولى بالموروث الفارسي والبيزنطي ثم تحرّرت منها بدءا من عبد الملك ( 65 - 86 ه ) . وهي التي انتقلت إلى المغرب وشهدت فيه نفس التطوّر بإيعاز من المركز أي في سبيل التحرّر وكسب الاستقلالية عن الموروث البيزنطي . وهذا الموروث يصعب تقييمه ولا نعرف أين يبتدأ وأين ينتهي بالضبط . بخصوص الدواوين والموظّفين المعتمدين فيها وتقنيات الإدارة وضرب النقود واستعمال اللاتينية ، وقع اعتماد هذا الإرث لمدّة ربع قرن ثم حصل تجاوزه وإلغاؤه . أمّا بخصوص المنشآت العسكرية والإدارية ، فقد وقع دمج أو تركيب ، فاعتبر التقسيم البيزنطي إلى حدّ ما لكنّ العرب أدخلوا تصوّرهم الخاصّ لهياكل المغرب وطغى هذا التصوّر فأوجدت تقسيمات جديدة للمعطى الجغرافي . إنّ الحضور العربي اخترق أكثر بكثير من الحضور الرّوماني الأرض المغربية . وبالمعنى المؤسّساتي ، كان المغرب كلّه والأندلس خاضعا لسلطة والي القيروان ، فهذه المدينة الجديدة العربية المحضة باتت عاصمة مجال واسع جدا لفترة معيّنة على الأقلّ . من هنا جاءت أهمية الولاية بالنسبة إلى سلطان الخليفة على الرّغم من بعدها . وداخل هذا المجال - وقد رأينا ذلك - كانت إفريقية بجناحيها طرابلس والزّاب قلب الحكم الإسلامي والحضور العربي . وهذا ما يفسّر الانشطار - ولو داخل الإسلام - وبروز سجلماسة والأدارسة والأمويين ، وفي نفس الوقت بقاء إفريقية وفيّة للخلافة حتى في دائرة استقلالها مع الأغالبة . لقد كانت لها إمكانات حضرية واقتصادية ولها تاريخ ، إنّما هيّأت هذه الفترة لتكوين الإمارة الأغلبية وأصبحت إفريقية قاعدة لتكوّن دول في المستقبل ، لأنها كانت أرض السلطة دون منازع . إنّ فترتنا كانت عهد إمارة اتّضحت أكثر فأكثر مع آخر العهد العبّاسي حيث برز شكل من الاستقلالية . بل إنّ إفريقية صارت البلد الحامل لإمارات متتالية تتأرجح بين التبعية والاستقلال المقيّد .
تأسيس الغرب الإسلامي — صفحة 130 | هشام جعيط