ذلك - لا يثبتونه ولا ينفونه . فمن نفاه - مثل صاحب الخطبة التي أنكرها ابن عيدان وصاحبه - فهو عند أحمد والسلف مبتدع ؛ ومن أثبته - مثل هشام ابن الحكم وغيره - فهو عندهم مبتدع ؛ والواجب عندهم السكوت عن هذا النوع اقتداء بالنبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه .
هذا معنى كلام الإمام أحمد الذي في رسالة « المويس » أنه قال : لا أرى الكلام إلا ما ورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . فمن العجب استدلاله بكلام الإمام أحمد على ضدّه ، ومثاله في ذلك كمثل حنفىّ يقول : الماء الكثير ولو بلغ قلّتين ينجس بمجرد الملاقاة من غير تغيّر ؛ فإذا سئل عن الدليل ، قال :
قوله صلى اللّه عليه وسلم : « الماء طهور لا ينجّسه شئ » ، فيستدل بدليل خصمه . فهل يقول هذا من يفهم ما يقول ؟
وأنا أذكر لك كلام الحنابلة في هذه المسألة :
قال الشيخ تقىّ الدين - بعد كلام له على من قال : إنه ليس بجوهر ولا عرض ، ككلام صاحب الخطبة - قال رحمه اللّه : « فهذه الألفاظ لا يطلق إثباتها ولا نفيها ، كلفظ : الجوهر ، والجسم ، والتحيّز ، والجهة ، ونحو ذلك من الألفاظ .
ولهذا لما سئل ابن سريج عن التوحيد ، فذكر توحيد المسلمين ، قال : وأما توحيد أهل الباطل فهو الخوض في الجواهر والأعراض وإنما بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم بإنكار ذلك . وكلام السلف والأئمة في ذمّ الكلام وأهله مبسوط في غير هذا الموضع . والمقصود أن الأئمة ، كأحمد وغيره ، لما ذكر لهم أهل البدع الألفاظ المجملة ، كلفظ : الجسم ، والجوهر ، والحيز ، لم يوافقوهم : لا على إطلاق الإثبات ، ولا على إطلاق النفي » .
انتهى كلام الشيخ تقى الدين .
إذا تدبّرت هذا عرفت أن إنكار « ابن عيدان » وصاحبه على « الخطيب »
تاريخ نجد ( روضة الأفكار والأفهام ) — صفحة 58
مساهمون: حسين بن غنام
ص٥٨