قال الحسن : السيئات يحثهم عليها ويزينها في أعينهم . قال قتادة : أتاك الشيطان يا بن آدم من كل وجه ، إلا أنه لم يأتك من من فوقك ، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة اللّه . وهذا يوافق قول من قال : ذكر هذه الأوجه للمبالغة في التوكيد ، أي : أتصرّف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم . ولا يناقض ما ذكر السلف ، فإن ذلك على جهة التمثيل . فالسبل التي للإنسان أربعة فقط ، فإنه تارة يأخذ على جهة شماله ؛ وتارة على يمينه ، وتارة أمامه ، وتارة يرجع خلفه ؛ فأي سبيل من هذه سلكها وجد الشيطان عليها راصدا له ؛ فإن سلكها في طاعة ثبّطه ، وإن سلكها بالمعصية حداه . وأنا أمثّل لك مثالا واحدا لما ذكر السلف ، وهو : أن العدو الذي من بني آدم - إذا أراد أن يمكر بك - لم يستطع أن يمكر إلا في بعض الأشياء ، وهي الأشياء الغامضة والأشياء التي ليست بعالية ، فلو أراد أن يمكر بك في أمر واضح بيّن مثل : التردّى من جبل ، أو بئر ، وأنت ترى ذلك - لم يستطع ، خصوصا إذا عرفت أنه قد مكر بك مرات متعددة ؛ ولو أراد ليمكر بك لتتزوج عجوزا شوهاء وأنت تراها لم يستطع ذلك ؛ وأنت ترى اللعين أعاذنا اللّه منه يأتي الآدمي في أشياء واضحة بيّنة أنها من محارم اللّه فيحمله عليها حتى يفعلها ، ويزيّنها في عينه حتى يفرح بها ، ويزعم أن فيها مصلحة ، ويذم من خالفه كما قال تعالى : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا الآية ، وقوله : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وقوله وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ . وهذا معنى قول من قال : « بَيْنِ أَيْدِيهِمْ » من قبل الدنيا ، فإنهم يعرفونها وعيوبها ومجمعون على ذمّها ، ثم مع هذا لأجلها قطعوا أرحامهم وسفكوا دماءهم وفعلوا ما فعلوا . وهذا معنى قول مجاهد : « مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ » من حيث يبصرون . فهو لم يقنع بإتيانه من الجهة التي يجهلون أنها معصية مثل ما فسر به مجاهد « خَلْفِهِمْ » قال : من حيث لا يبصرون .
تاريخ نجد ( روضة الأفكار والأفهام ) — صفحه 397
پدیدآورندگان: حسين بن غنام
ص۳۹۷