وأما أهل بيروت فكانوا متمسكين بالهدنة ، لكنهم جنوا ذنوبا منها :
أنهم آووا من هرب من الفرنج ، وأمرهم الأمير علم الدين الشجاعي بضم مراكبهم إلى مراكب المسلمين ، فأبوا ، فتقدم الأمير علم الدين الشجاعي إلى سيف الدين التقوي بحفظ الميناء وضبطه من المراكب ، وجاء الأمير علم الدين بالجيش من جانب البر ، ودخل المدينة ، وأخرجهم منها واستولى على القلعة وما فيها ، وذلك بكرة الأحد الثالث والعشرين من شهر رجب ، وكانت القلعة امتنعت قليلا فوقع الحديث مع كليام النائب بها فأجاب ، وأسر كل من كان بالبلد ، والقلعة من الخيالة ، وغيرهم ، وهذه القلعة من أحصن القلاع ، وأمنعها ، فخربها الأمير علم الدين وهدمها .
وأما صاحب جبيل فكان حضر عند الملك المنصور ظاهر طرابلس على ما تقدم ، وبقي بجبيل ، فلما كان في هذه السنة وأخذت عكا وغيرها من البلاد الساحلية ، رسم له أن يخرب قلعة جبيل وأسوارها بحيث يلحقها بالأرض ، وكان قد شعثها في سنة ثمان وثمانين ، فندب الأمير علم الدين سنجر الدوادار لهذه المهمة ، فتوجه إليها وأخرب أسوارها بحيث لم تبق لها منعة أصلا البتة .
وأما عثليت فهو الحصن المشهور ، الذي سار بحصانته المثل لمكانة بنيانه وإحكامه ، ولكون البحر مكتنفه من سائر جهاته ، ولم يحدث الملوك أنفسهم بقصده ، وكان الملك الأشرف عند منازلته عكا ، جرد بدر الدين رمتاش التركماني بجماعة من التركمان للنزول حوله على بعد ليؤمن جانبه ممن يخرج منه يتخطف سفار العسكر ، ومن يتفرد من العسكر ، وأخذت عكا وغيرها وبدر الدين مكانه ، فلما بلغ أهل عثليت فتح صيدا وبيروت بعد عكا وصور أحرقوا ما قدروا على إحراقه وقتلوا خيلهم ومراكبهم وهربوا ليلة الأحد غرة شعبان ، وهذا مما لم يخطر بالبال ، وأما أهل أنطرسوس لما بلغهم ذلك عزموا على الهرب فجرد الأمير سيف
تاريخ دمشق — صفحة 1373
مساهمون: سهيل زكار
ص١٣٧٣