ما بين ثوبيه يعرب عددا * أولها داكم « 1 » وآخرها
ينعش منها جداه أصغرها * ويلتمي في علاه كابرها « 2 »
فقد كفت كفه الجميع ولما * يك في سعيهم نظائرها
ولو أتوا هجّنوا بها ولقد * ينفر قلب الغيري ضرائرها « 3 »
بلوت منه خلائقا حمدت * يكثر في الناس من يكاثرها
إن يعلم الخير يبده ويحط * يسوأة المرء فهو سايرها
ما جئت من نبوة فباسطها * منك ومن هفوة فغافرها « 4 »
إني لمثن وشاكر لك ما * أوليت من منة وذاكرها
فلا تظن الزمان أخلقها * أو أنني للطوال كافرها
كاد يجازي بنعمة سلفت * من هو في العالمين ناشرها
وإياه يعني بمرثيته :
أنبل اللّه سلاحي قاتلي * يوم أنكى بعد يحيى ذا شرف
قال آخرون : وأولد جرير مع عمرو وكرمة ، عبد اللّه ومحمدا ابني جرير ، فقاموا برياسة أبيهم واحدا بعد واحد ودرج محمد وعبد اللّه أيضا ، وأولد كثير بن حجر أخو جرير ، محمدا ويوسف ، ومحمد الذي وفد من خولان على المهدي ، محمد بن عبد اللّه أمير المؤمنين « 5 » وفيه يقول الشاعر منهم :
هامش
( 1 ) قوله : أولد داكم ، من التداكم ، من دكمه في صدره إذا دفعه ، أي أنه متلاحق المكارم يتبع بعضها بعضا .
( 2 ) الجدا بالجيم : العطاء . ويلتمي : يرمى ويطعن .
( 3 ) الغيري : المرأة التي تأخذها الغيرة وهي الحدة والطيش . والضرائر : جمع ضرة بالفتح وهي المرأة التي يتزوجها الرجل على زوجة تحته ، وكل منهما ضرة ، وهما ضرتان ، لأن كل واحدة تضر بالأخرى .
( 4 ) النبوة : الجفوة . والهفوة : الزلة .
( 5 ) هو أمير المؤمنين المهدي محمد بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم العباسي ، وأمه أم موسى بنت منصور بن يزيد بن ذي سهم بن آل شرح ، من ولد القيل ذي رعين الحميري ، فهو كريم الطرفين ولد بأذرح من أرض الأردن سنة سبع وعشرين ومائة ، وقيل غير ذلك ، وبويع له بالخلافة عقب موت أبيه بمكة سنة 158 ثمان وخمسين ومائة ومات المهدي سنة 169 تسع وستين ومائة قيل : إنه ساق صيدا فاقتحم الصيد خربة فدق ظهره في بابها فمات لوقته ، وقيل : إنه مات مسموما ، فمدة عمره ثلاث وأربعين سنة ، ومدة خلافته عشر سنين وشهرا وخمسة عشر يوما وقيل غير ذلك ، وكان جوادا ممدحا مليح الشكل محببا إلى الرعية حسن الاعتقاد تتبع الزنادقة فأفنى منهم خلقا كثيرا ، وهو أول من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرد على الزنادقة والملحدين . -