تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
ومن هؤلاء الناس أبو العلاء المعري ، فإنه لذهنه المتوقد وذكائه المفرط سار في ميدان الدعوى وأبعد في الجولان فيه ، حتى أدّاه ذلك أن يقول بيته المشهور :
وإني وإن كنت الأخير زمانه * لآت بما لم تستطعه الأوائل
وما زال يجدّ في ذلك إلى أن وقع في وادي الحيرة وهوى في هوة الشكوك والأوهام ، فكان يذهب تارة إلى التسليم بالنبوات واعتقاد الحشر والمعاد وأن هناك جنة ونارا وثوابا وعقابا ، وتارة يذهب إلى نفي ذلك وإنكاره . ظل على ذلك إلى أن تقدم سنه ونضج علمه ، ورأى بعين البصيرة أن ما ظهر له من الحقائق الكونية بالنسبة إلى ما بقي تحت طي الخفاء ما هو إلا كقطرة من بحر ، فهناك استبان له عجزه وتجلى له قصور المدارك الإنسانية وأنها مهما اتسعت فإن لها حدا لا تتعداه ، وعلم أن وراء الأكمة ما وراءها ، وتحقق معنى قوله تعالى :
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
ودعاه ذلك أن يقول :
ماذا تريدون لا مال تيسّر لي * فيستماح ولا علم فيقتبس
أتسألون جهولا أن يفيدكم * وتحلبون سفيّا ضرعها يبس
وعند ذلك تاب إلى طريق الرشد وعاد إلى منهاج الحق ولازم الذكر والعبادة مع التقشف والزهد في الدنيا والتباعد عن أهلها ، إلى أن أتاه اليوم الموعود والأجل المحتوم . ونحن نذكر لك من نظمه مما ذكره في « لزوم ما لا يلزم » ما تستدل به على صحة إيمانه ودينه ويجعلك مطمئن القلب على حسن عقيدته ويقينه ، كقوله :
أرائيك فليغفر لي اللّه زلتي * بذاك ودين العالمين رئاء
إذا قومنا لم يعبدوا اللّه وحده * بنصح فإنّا منهم برآء
وقوله :
للمليك المذكرات عبيد * وكذاك المؤنثات إماء
فالهلال المنيف والبدر والفر * قد والصبح والثرى والماء
والثريا والشمس والنار والنثرة والأرض والضحى والسماء
هذه كلها لربك ما عابك في قول ذلك الحكماء
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء — صفحة 161 | محمد راغب الطباخ الحلبي