تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
قشتالة ، وأطمعه في قرطبة ، فتحرّك إلى نصرته . ولما وصل أندوجر ، أعذر يحيى في الدفاع والمصابرة ، ثم انصرف بالجيش إلى قرطبة ، وأخذ العدوّ في آثارهم ، صحبة مستغيثه ابن حمدين . فنازل قرطبة ، وامتنع ابن غانية بالقصر ومائليه من المدينة . وأدخل ابن حمدين النصارى قرطبة في عاشر ذي الحجة من عام أربعين ، فاستباحوا المسجد ، وأخذوا ما كان به من النواقيس « 1 » ، ومزقوا مصاحفه ، ومنها زعموا مصحف عثمان ، وأنزلوا المنار من الصّومعة ، وكان كله فضّة ، وحرقت الأسواق ، وأفسدت المدينة ، وظهر من صبر ابن غانية ، وشدّة بأسه ، وصدق دفاعه ، ما أيأس منه . وكان من قدر اللّه ، أن بلغ طاغية الروم يوم دخولهم قرطبة ، اجتياز الموحّدين إلى الأندلس ، فأجال طاغيتهم قداح الرأي ، فاقتضى أن يهادن ابن غانية ، ويتركه بقرطبة في نحر عدوّه من الموحدين ، سدّا بينهم وبين بلاده . فعقدت الشروط ، ونزل إليه ابن غانية فعاقده ، واستحضر له أهل قرطبة ، وقال لهم : أنا قد فعلت معكم من الخير ، ما لم يفعله من قبلي ، غلبتكم في بلدكم وتركتكم رعيّة لي ، وقد ولّيت عليكم يحيى بن غانية ، فاسمعوا له وأطيعوا . قال المؤرخ : وفخر الطاغية في ذلك اليوم بقومه ، وقال : ولا يريبنكم أن تكونوا تحت يدي ونظري ، فعندي كتاب نبيكم إلى جدّي . حدّث ابن أم العماد أبو الحسن ، قال : حضرت ، وأحضر حقّ من ذهب ، فتح وأخرج منه كتاب من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إلى قيصر ملك الروم ، وهو جدّه بزعمه . والكتاب بخط علي بن أبي طالب . قال أبو الحسن : قرأته من أوله إلى آخره ، كما جاء في حديث البخاري . وانصرف إلى بلاده ، وانصرف ابن حمدين ، فكان هلاكه بمالقة ، بعد اضطراب كثير . واستقرّ ابن غانية بقرطبة الغادر به أهلها ، فشرع في بنيان القصبة وسدّ عورتها ، وسام أهلها الخسف وسوء العذاب ، ووالى إغرامهم ، واستعجل أمرهم ، واتصل سلمه مع العدو إلى تمام أحد وأربعين وخمسمائة ، وقد تملك الموحدون إشبيلية وما إليها . وضيّق عليه النصارى في طلب الإتاوة ، واشتطّوا عليه في طلب ما بيده ، ونزل طاغيتهم أندوجر وبه رجل يعرف بالعربي ، واستدعى ابن غانية ، فلمّا تحصّل بمحلّته ، طلبه بالتخلّي عن بيّاسة وأبّدة ، فكان ذلك . وتشاغل الموحدون بأمر ثائر نازعهم بالمغرب ، فكلب العدو على الأندلس ، فنازل الأشبونة وشنترين ، وألمرية وطرطوشة ولا ردة وإفراغة ، وطمع في استئصال بلاد الإسلام ، فداخل ابن غانية سرّا من بإشبيلية من الموحّدين ، ووصله كتاب خليفتهم بما أحبّ ، وتحرك الطاغية في جيوش لا ترام . وطالب ابن غانية بالخروج عن جيّان وتسليمها إليه ، وكاده ، حسبما تقدم في اسم
هامش
( 1 ) المراد بالنواقيس مصابيح المسجد المغطاة بأغطية نحاسية تشبه النواقيس . من تعليق الأستاذ محمد عبد اللّه عنان ، الإحاطة ( ج 4 ص 346 ) حاشية رقم 1 .
الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 301 | لسان الدين ابن الخطيب