تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إثارة الترغيب والتشويق ( ويليه زيارة بيت المقدس لابن تيمية ) — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
قصده بذلك مكة وأهلها ولا خراب الكعبة ، وإنما كان قصده خلع ابن الزبير عن الخلافة ولم يتمكن من ذلك إلا بذلك ، فلما حصل ما قصده أعاد بناء الكعبة ، فبناها وشيدها وعظم حرمتها وأحسن إلى أهلها . واختلفوا هل كانت مكة محرمة قبل دعوة إبراهيم أو حرمت بدعوته ، على قولين : أحدهما : أنها كانت محرمة قبل دعوته ، بدليل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض » . « 1 » وقول إبراهيم دليل على هذا المعنى :
إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
فهذا يقتضى أن مكة كانت محرمة قبل دعوة إبراهيم . والثاني : أنها إنما حرمت بدعوة إبراهيم بدليل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن إبراهيم حرم مكة ، وإني حرمت المدينة » « 2 » وهذا يقتضى أن مكة كانت قبل دعوة إبراهيم حلالا كغيرها من البلاد ، وإنما حرمت بدعوة إبراهيم . ووجه الجمع بين القولين - وهو الصواب - أن اللّه تعالى حرم مكة يوم خلقها كما أخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « إن اللّه حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض » « 3 » . ولكن لم يظهر ذلك التحريم على لسان أحد من أنبيائه ورسله ، وإنما كان تعالى يمنعها ممن أراد سوءها ويدفع عنها وعن أهلها الآفات والعقوبات ، فلم يزل ذلك من أمرها حتى بوأها إبراهيم وأسكنها أهله ، فحينئذ سأل إبراهيم ربه عزّ وجلّ أن يظهر تحريم مكة لعباده على لسانه ، فأجاب اللّه دعوته ، وألزم عباده تحريم مكة ، فصارت مكة حراما بدعوة إبراهيم ، وفرض على الخلق تحريمها والامتناع من استحلالها واستحلال صيدها وشجرها ، فهذا وجه الجمع بين القولين ، وهو
هامش
( 1 ) أخرجه : عبد الرزاق في المصنف 5 / 140 عن ابن جريج ، وابن أبي شيبة 14 / 489 من طريق أبى الخليل ، عن مجاهد ، والفاكهي في أخبار مكة 2 / 248 . ( 2 ) أخرجه : البخاري في البيوع ( باب بركة صاع النبي صلى اللّه عليه وسلم ) 3 / 68 ، ومسلم ( الحج : فضل المدينة ودعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم ) ، 4 / 112 . وأحمد في المسند 4 / 40 ، والمنتخب من مسند عبد بن حميد ( 518 ) . ( 3 ) سبق تخريجه .