هذا ولمّا كان العدل نظاما لعقد العمران * وعهدا لخلافة الإنسان * وجب أن يتحرّى في تحصين سياجه عن تطرق الظنن * ولرصين معقله بتظاهر المنن * ووزع نوازع الأهواء عن استباحته * والأخذ بحجز الآراء إلى حماية ساحته * ولغلبة سلطان الهوى بما له من الأصالة * على وزعة الدين والمروءة والحياء المعبّر عن مجموعها بالعدالة * تعسر ان يستعصم غير المعصوم عن داعية هواه * إلّا بالانقياد لسواه * فالرئيس مفتقر في شدّ ازره * إلى الإشراك في أمره * والمرؤوس مكلّف بانشراح صدره * للإذعان في المنشط والمكره * ومن ثمّ كانت « يد اللّه مع الجماعة » « 7 » * وعصم الإجماع إلى قيام الساعة * ولم تزل الشورى في كلّ ملمّة * ديدن السلف الصالح من قادة هاته الأمّة * حتّى اثنى عليهم بها الكتاب المجيد * إشارة إلى أنها من سنّتهم التي تنكّبها ضلال بعيد * ومثل في الإنجيل ما لهم من المؤازرة * بزرع اخرج شطأه « 8 » فآزره .
[ 47 ] ومن سبر بمسبار الروية أغوار السير * وجسّ بأنامل الألمعيّة نوابض البدو والحضر * واستشرف على استشراء الممالك الأوروباوية وتغطرفها * واستئسادها وتصلّفها بما فوفته « 9 » من ابراد « 10 » الحضارة * وما أورفته من ظلال العمارة * لا تخامره ريبة في أنها نتائج متناسقة الكعوب « 11 » ومغارس متضامّة الجنوب * سنحها « 12 » تضافر العزائم والألباب وانعطاف بنات البب « 13 » على اطراح الاغراض الشخصية * للمصالح الكلّية .
هامش
( 7 ) حديث نبوي شريف .
( 8 ) شطا : ج . اشطاء أوراق الزرع - والشطا من الشجر : ما خرج حول أصوله من النبات .
وهذا ناظر إلى الآية 29 من سورة الفتح .
( 9 ) ثوب مفوف : فيه خطوط بيض على الطول .
( 10 ) زبراد : ج . برد ثوب مخطط .
( 11 ) كعوب : ج . كعب : عقدة القصب بين الأنبوبتين .
( 12 ) سنح على : وطد على .
( 13 ) البب : الهيئة الشجية ، الطريقة .