مستندا في ذلك لما أمكن تصفّحه من التواريخ الإسلامية والإفرنجية « 3 » ، مع ما حرّره المؤلّفون من الفريقين فيما كانت عليه وآلت إليه الأمّة الإسلامية ، وما سيؤول إليه أمرها في المستقبل [ 3 ] بمقتضى الشواهد التي قضت التجربة بأن تقبل ، التجأت إلى الجزم بما لا أظنّ عاقلا من رجال الإسلام يناقضه ، أو ينهض له دليل يعارضه ، من أنّا إذا اعتبرنا تسابق الأمم في ميادين التمدّن ، وتحزّب عزائمهم على فعل ما هو أعود نفعا وأعون ، لا يتهيّأ لنا أن نميّز ما يليق بنا ، على قاعدة محكمة البنا ، إلا بمعرفة أحوال من حفّ بنا وحلّ بقربنا .
ثمّ إذا اعتبرنا ما حدث في هذه الأزمان ، من الوسائط التي قرّبت تواصل الأبدان والأذهان ، لم نتوقّف أن نتصوّر الدنيا بصورة بلدة متّحدة ، تسكنها أمم متعدّدة ، حاجة بعضهم لبعض متأكّدة ، وكلّ منهم وإن كان في مساعيه الخصوصية غريم نفسه ، فهو بالنظر إلى ما ينجرّ بها من الفوائد العمومية مطلوب لسائر بني جنسه .
2 - إعراض رجال الدين عن الإيفاء بذلك الغرض :
فمن لاحظ هذين الاعتبارين ، اللذين لا تبقي المشاهدة في صحّتهما أدنى رين « 4 » ، وكان بمقتضى ديانته من الدارين ، أن الشريعة الإسلامية كافلة بمصالح الدارين ، ضرورة أن التنظيم أساس متين ، لاستقامة نظام الدين يسوءه أن يرى
هامش
( 3 ) الإفرنجية : إلى جانب تأثّره البيّن بابن خلدون ، يستشفّ تأثّر خير الدين بآراء الكاتب والمؤرخ الفرنسي مونتسكيوMontesquieu( 1689 - 1765 ) صاحب كتاب : تأمّلات في أسباب عظمة الرّومان وتأخرهم :Conside ? rations sur les causes de la grandeur des Romains et de leur de ? cadence .وقد عرّبه رفاعة رافع الطهطاوي ونشره سنة 1845 .
أنظر : ماقلي مرسي ،Essai، 83 ، تعليق عدد 1 .
( 4 ) رين : دنس وهناك شك .