فنرى إذن أن الداعي القريب الأوّل لتأليف أقوم المسالك والتخلّي عن الحكم هو معارضة خير الدين للباي ولخزنةدار في تطبيق السياسة الاقتصادية التي أدّت إلى هذه الأزمة المالية الممهّدة لاحتلال فرنسي أصبح شبحه يخيّم على البلاد بتقدّم الأيّام .
ولقد أحسن بيرم الخامس تصويرها بأسلوبه الأدبي قائلا : « فلو رأيت ما عليه القرار لملئت رعبا ولولّيت منه الفرار من ذئاب تغتال وثعالب تحتال مجتهدة في قلب الرحال وتشتيت الرجال وثعبان ثاغر فاه لابتلاع الأموال فيا لها من حال يرثي لها من رام النزال » « 31 » .
2 ) رحلات خير الدين إلى أوروبا :
إذن استعفي خير الدين من كلّ مناصبه وسنّه 40 سنة .
يقول ابن أبي الضياف : « واستعفي أبو محمّد خير الدين من وزارة البحر ومن رئاسة المجلس الأكبر وأثّر استعفاؤه في العقلاء من أهل الإيالة لأنّه لم يكن من سبب ظاهر في السنّ ولا في البدن إذ هو في أطيب أوقات الشباب » « 32 » .
واعتكف خير الدين بقصره مدّة خمس سنوات إلى تاريخ صدور أقوم المسالك يستخلص العبر من تجربته للحكم في إطار أساسه الحكم المطلق القهري .
وحيث لم يكن إبعاده عن الحكم إلّا لامتناعه عن الاقتراض من أوروبا فإنّ الباي وخزنةدار لم يبعداه تماما عن الحياة السياسية « 33 » فكانا يستشيرانه في نطاق المجلس الخاصّ للباي في كبرى القضايا . ومنذ إعلان الدستور سنة
هامش
( 31 ) بيرم الخامس : صفوة الاعتبار ، جII، ص 36 .
( 32 ) إتحاف ، جV، ص 96 أنظر أيضا خير الدين رجل دولة ، مذكّرات ، ص 23 .
( 33 ) بل إنّ الصادق باي عرض عليه وزارة الحرب سنة 1865 ، « وقد كان الباي عرض وزارة الحرب على الوزير خير الدين فاعتذر واختار التخلّي عن المباشرة وقبل اعتذاره » ، إتحاف جIV، ص 54 .