ومواقف خير الدين من الوضع المالي والاقتصادي للبلاد التونسية ترجع إلى ما أبعد من 1862 ، سنة تخلّيه عن الحكم بل إلى قضيّة محمود ابن عياد سنة 1852 عندما اختلس هذا الأخير ، بصفته قابض المال ، ما قدره 60 مليون فرنك وكلّف الباي خير الدين بتمثيله بباريس في هذه القضيّة ، ذلك أن بن عيّاد تجنّس عند هروبه بالجنسية الفرنسية وبقي خير الدين أربع سنوات بباريس ومثّل تونس في اللجنة التحكيمية التي أشرف عليها نابليون الثالث وحيث أن خزنةدار كان مورّطا مع بن عيّاد فلم يستطع خير الدين الحصول على كلّ الوثائق الضرورية ولم يتمكّن إلّا من استرجاع 24 مليونا فرنكا « 27 » وقد نشر في هذه النازلة 18 مذكّرة باللغة الفرنسية « 28 » .
كذلك كان موقفه وهو بباريس من شأن الاقتراض من فرنسا قصد توفير الإعانة العسكرية التونسية للخلافة العثمانية مدّة حرب القرم
( Crimee )
فإنّه ماطل ورفض عقد الاقتراض لما يراه - على حدّ تعبير بيرم الخامس - من المضرّة على القطر « 29 » .
يقول ابن أبي الضياف : وهو [ أحمد باي ] ينتظر خبر القرض الذي وجّه له أمير اللواء خير الدين ، وتثاقل خير الدين في ذلك لما رأى فيه من الضرر الفادح في الحال والمآل ، والباي يحرّضه ويغلظ له القول وهو مع ذلك يتثاقل اعتمادا على عقل سيّده « 30 » .
هامش
( 27 ) المصدر المذكور ، خير الدين رجل دولة ، ص 22 .
( 28 ) المصدر نفسه ، ص 21 .
( 29 ) بيرم الخامس : صفوة الاعتبار ، جII، ص : 49 - 50 . إتحاف جIV، ص : 156 :
« وهو [ أحمد باي ] يرى أن خير الدين يتساهل في الاقتراض » وأنظر كذلك صفحة 187 : « وكاتبه أبو محمّد خير الدين من باريس في شأن اقتراض المال المأذون فيه من ابن عمّه [ أحمد باي والضمير يعود على المشير الثاني محمد ] .
فكتب له بأن لا يفعل وقال لي : أكتب له « صبرنا على أنفسنا خير من صبر الناس علينا » بهذا اللفظ وشكر خير الدين في عدم الاستعجال ، والعجلة والندامة فرسا رهان وأنقذ بها البلاد من هاوية » .
( 30 ) إتحاف ، جV، ص 165 .