تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
في بلاد العراق واليمن والهند ودخل مدينة دلهي حاضرة ملك الهند وهو السلطان محمّد شاه واتّصل بملكها لذلك العهد وهو فيروز جوه وكان له منه مكان واستعمله في خطّة القضاء بمذهب المالكية في عمله ثمّ انقلب إلى المغرب واتّصل بالسّلطان أبي عنان وكان يحدّث عن شأن رحلته وما رأى من العجائب بممالك الأرض وأكثر ما كان يحدّث عن دولة صاحب الهند ويأتي من أحواله بما يستغربه السامعون « 101 » فتناجى النّاس بتكذيبه . ولقيت وزير السّلطان أبي عنان أبا منذر فارس ابن ودرار البعيد الصيت ففاوضته في هذا الشأن وأريته إنكار أخبار ذلك الّرجل لمّا استفاض في النّاس تكذيبه فقال لي الوزير فارس : « إيّاك أن تستنكر مثل هذا من أحوال الدول بما أنّك لم تره فتكون كابن الوزير الناشي في السّجن . وذلك أنّ وزيرا اعتقله سلطانه ومكث في السّجن سنين ربّي فيها ابنه في ذلك المحبس فلما أدرك وعقل سأل عن اللحمان التي كان يتغذّى بها فقال له أبوه : « هذا [ 181 ] لحم الغنم » فقال : « وما الغنم » فيصفها له أبوه بشياتها ونعوتها فيقول : « يا أبت تراها مثل الفأر ؟ » فينكر عليه ويقول : « ابن الغنم من الفار ؟ » وكذا في لحم الإبل والبقر إذ لم يعاين في محبسه من الحيوانات إلّا الفأر فيحسبها كلّها أبناء جنس الفأر : « وهذا كثيرا ما يعتري النّاس من الأخبار كما تعتريهم الوساوس في الزّيادة عند قصد الإغراب كما قدّمناه أوّل الكتاب . فليرجع الإنسان إلى أصوله وليكن مهيمنا على نفسه ومميّزا بين طبيعة الممكن والممتنع بطريق عقله ومستقيم فكرته فما دخل في نطاق الإمكان قبله وما خرج عنه رفضه .
هامش
( 101 ) سقط ما يلي من الشاهد الذي أورده خير الدّين : « مثل أنّ ملك الهند إذا خرج إلى السفر أحصى أهل مدينته من الرّجال والنساء والولدان وفرض لهم رزق ستة أشهر تدفع لهم من عطائه وأنّه عند رجوعه من سفره يدخل في يوم مشهود يبرز فيه الناس كافة إلى صحراء البلد ويطوفون به وينصب أمامه في ذلك الحفل منجنيقات على الظهر ترمي بها شكائر الدراهم على الناس إلى أن يدخل إيوائه وأمثال هذه الحكايات . . . » .
أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 355 | خير الدين التونسي / المنصف الشنوفي