والطّرق الحديديّة وغيرها وجودة آلاتها والجمعيّات المتجرية والبانكات وغير ذلك من وجوه التمدّن الذي تقدّم شرحه .
ومحصّل جوابنا للمنكر هو ما أجاب بمثله ابن خلدون « 100 » لما بين مداخيل الدّول الإسلامية وخشي استكثار النّاس لذلك فقال :
« ولا تنكرنّ ما ليس بمعهود عندك ولا في عصرك شيئا من أمثاله فتضيق حوصلتك عن ملتقط الممكنات » .
فكثير من الخواصّ إذا سمعوا أمثال هذه الأخبار عن الدول السالفة بادروا بالإنكار وليس ذلك من الصّواب فإن أحوال الوجود والعمران متفاوتة ومن أدرك منها رتبة سفلى أو وسطى فلا يحصر المدارك كلّها فيها .
ونحن إذا اعتبرنا ما ينقل إلينا عن دولة [ 180 ] بني العبّاس وبني أميّة والعبيدّيين وقابلنا الصّحيح من ذلك والذي لا نشكّ فيه بالذي نشاهده من هذه الدّول التي هي أقلّ بالنسبة إليها وجدنا بينهما بونا وهو لما بينها من التّفاوت في أصل قوّتها وعمران ممالكها .
فالآثار كلّها جارية على نسبة الأصل في القوّة كما قدّمناه ولا يسعنا إنكار ذلك عنها إذ كثير من هذه الأحوال في غاية الشّهرة والوضوح بل فيها ما يلحق بالمستفيض والمتواتر وفيها المعاين والمشاهد من آثار البناء وغيره .
فخذ من الأحوال المنقولة راتب الدول في قوّتها أو ضعفها أو ضخامتها أو صغرها واعتبر ذلك بما نقصّه عليك من هذه الحكاية المستطرفة وذلك أنّه ورد للمغرب في عهد السّلطان أبي عنان من ملوك بني مرين رجل من مشيخة طنجة يعرف بابن بطوطة كان رحل منذ عشرين سنة قبلها إلى المشرق وتقلّب
هامش
( 100 ) ابن خلدون : المقدّمة ، ط . 3 ، مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني للطباعة والنضر ، بيروت 1967 ( الباب الثالث من الكتاب الأول ، الفصل الثامن عشر : موارد بيت المال ببغداد أيام المأمون ) ، 322 - 324 .