تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥

رأي خير الدّين في الديون :

إعلم أنّ ما تراه من الدّيون الكثيرة على كلّ دولة من دول أوروبا لم يكن ناشئا عن عدم ضبط السّبب الذي يتعيّن لأجله اقتراض الدّين ولا عن سوء التدبير بصرف شيء من المال قلّ أو كثر فيما لا يلزم سياسة في نظر المجلس ولا عن خيانة من المباشرين وإنّما السبب فيه ما يأتي شرحه : وهو أنّ العادة الدّارجة في الممالك المضبوطة بالقوانين أنّ الدّولة تقدّم لمجلس وكلاء العامّة جملة المصاريف المعتادة اللّازمة للسّنة القابلة بأوضح بيان في جميع فصولها وما يثبت عند المجلس من المقدار اللّازم لها في نظره بعد المجادلة بينه وبين الوزراء في ذلك يترتّب الأداء الواجب أخذه من الأهالي في تلك السّنة على مقتضاه . ولهذا كان قانون الأداء والمصاريف يتجدّد عندهم في كلّ سنة . وأمّا إذا لزمت مصاريف غير معتادة لعمل حرب للمدافعة عن المملكة أو للهجوم على الغير إن اقتضته مصلحة الأمّة السياسية أو المتجرية كحرب القرم « 88 » التي صرفت فيها الدّولة الفرنساوية وحدها ما يقرب من ألفي مليون
هامش
( 88 ) حرب القرم : ( 1853 - 1856 ) أمام أخطار التوّسع الروسي فإنّ الخلافة العثمانية لم تنج مؤقّتا إلّا عن طريق التدخّل المسلّح لفائدتها من قبل أنكلترا وفرنسا في هذه الحرب . ولقد اغتنم الوزير الأكبر التونسي مصطفى خزنه دار هذه الفرصة السانحة ليحمل المشير الأوّل أحمد باي على المساهمة بمجهود عسكري إلى جانب الآستانة وذلك لتغذية صفقاته المالية المريبة فبعث الباي بستة آلاف جندي مات أغلبهم جوعا وعطشا في معسكرات البحر الأسود . وكانت هذه المساهمة التونسية فرصة لفرض أداء جديد على أهالي الساحل والجريد ولبيع جانب من صابة الزيتون مسبّقا سنة 1855 . أنظر ، قانياج ، المصدر نفسه ، ص 186 . « وبعد أن استنفد كل موارد الإيالة ، عمد مصطفى خزنه دار إلى سياسة الاقتراض المخرّبة وفي أقلّ من سبع سنوات من 1279 [ 1863 ] إلى 1286 [ 1870 ] بلغت ديون البلاد التونسية التي لم يكن بعنقها أي دين لأحد ، 240 مليون ريال ( 150 مليون فرنك ) اقترضتها الحكومة [ التونسية ] من أوروبا ومن تجّار البلاد بفائض يتراوح بين 12 % وبين 15 % سنويّا » . م . ص . مزالي ، خير الدين ، رجل دولة ، مذكّرات ، ص 26 .
أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 345 | خير الدين التونسي / المنصف الشنوفي