وإنّما أشرنا لهاته الحروب والفرسان لبيان ما لها من الدخل في التّمدّن الأوروباوي ، فإنّ مؤرّخيهم يقولون إنّ تلك الحروب وإن هلكت فيها نفوس عديدة ، وأموال بدون الحصول على المقصود بالذات ، فإنّها أعقبت نتائج نافعة لهم . منها أنّهم من ذلك الوقت شرعوا في ترتيب العساكر ، وتعلّموا بمواصلتهم لأهل المشرق صناعة التجارة والزراعة ونحو ذلك ، وتخلّقوا بأخلاق الحضر ، وتعوّدوا بالأسفار لاستكشاف أحوال الأقطار ، فاطلعوا على أحوال آسيا المتوسّطة وأحوال الصين كما ذلك مبيّن بتأليف ماركوبولو « 130 » .
وبالجملة فبالسبب المذكور - وهو مخالطة الأوروباويين للأمّة الإسلامية المتقدّمة عليهم في التمدّن والحضارة - كان ابتداء التمدّن عندهم ، لا سيّما في القرن الثالث عشر . ثمّ تهذّب حتّى وصل إلى ما هو مشاهد اليوم .
وانتهت إذ ذاك رئاسة العلوم والآداب والفلسفة إلى صان برنار « 131 » بفرنسا ، وصان توماس « 132 » بإيطاليا ، والبرت الكبير « 133 » بألمانيا ، وريموندو لولو « 134 » بإسبانيا ، وجن دونسكوت « 135 » بأنكلترة . وظهرت الشعراء والمهندسون والكنائس الأصولية والهياكل الفخيمة المنسوبة للقرون المتوسّطة .
هامش
( 130 ) ماركو بولو :Marco Polo( 1254 - 1324 ) : رحالة إيطالي من مواليد البندقية ، كتابه دائرة معارف جغرافية مشهورة . ونحن نثبت فيما يلي أعلام الأوروبيين الذين يذكرهم خير الدين مقتصرين على رسم أسمائهم بالحروف اللاتينية حتّى يتمكّن القارئ من قراءة أسمائهم قراءة صحيحة .
( 131 )Saint Bernard.
( 132 )Saint Thomas.
( 133 )Albert Le Grand.
( 134 )Raymond Lulle.
( 135 )John Duns Scotus.