النفس حضور مع الحق .
ذلك أن غاية الاقتراب هي الاغتراب ؛ لأن في مقام الاغتراب يكون الفناء عن الأوصاف المذمومة ، والبقاء بالأوصاف المحمودة ؛ فالنهاية قد تكون إلى فناء أو بقاء .
وإذا كانت الغربة بعدا عن الخلق واقترابا من الحق ، فإن الصوفي إذا تكلم فبذكر اللّه ، أو بما يقربه إلى اللّه ، وإن صمت فعن الغيبة بفكره أو بسره مع اللّه عز وجل ومن هنا صارت أحوال السكر والصحو داخله في أحوال الغربة ، لأن الغربة يعقبها الصحو الذي هو الرجوع إلى الحس بعد الغيبة بوارد قوى يضاف إلى هذا أن السكر من أحوال الغربة ؛ لأن السكر غيبة أيضا بوارد قوى .
على أن الصوفية ينظرون إلى الاغتراب والبعد عن الدنيا ، على أن ذلك " عزلة " لكل صفة مذمومة وكل خلق ردئ أو دنئ . يضاف إلى هذا عزلة الصوفي بقلبه عن التعلق بأحد من خلق اللّه ، سواء من أهل أو ولد أو صاحب ، أو كل ما يحول بينه وبين ذكر ربه بقلبه ، فلا يبقى له إلا هم واحد ، هو التعلق باللّه تعالى .
وإن العمل الصالح هو ابتداء طريق الغربة ، فإن كان من حفّاظ القرآن فيكون له منه حزب في كل ليلة يقوم به صلاته ؛ لئلا ينساه .
وأخيرا فإن الغربة تتطلب العزلة والخلوة والذكر بأنواعه ، بالإضافة إلى السياحة في أرض اللّه ، حتى يصير الصوفي غريبا عن الخلق ، قريبا من الحق 2 .
والغربة تتنوع حسب المواقف :
فالغربة في الولايات : هي غربة الهمة المتعلقة بالذات الأحدية والمراد هنا غربة العارف .
في البدايات :
الذهاب عن المألوفات ، والاغتراب عن العادات .
في الأبواب :
الانقطاع عن متاع الدنيا وطيباتها ، وصرف الهمة عن لذاتها وشهواتها .
في المعاملات :
الانفراد بالعزلة ، والخلوة مع الحق ، والاعتزال عن الخلق لطاعة