يحبك ؟ قالت : بالعناية القديمة ، جيّش من أجلي الجيوش ، وأنفق الأموال ، وأخرجني من بلاد الشرك ، فأدخلني في التوحيد ، وعرفني نفسي بعد جهلي إياها ، فهل هذه إلا العناية ؟ قلت : كيف حبك له ؟ قالت : أعظم شيء وأجله ، قلت : وتعرفين الحب ؟ قالت : فإذا جهلت الحب فأي شيء أعرف ؟ قلت : فكيف هو ؟ قالت : هو أرق من السراب ، قلت : وأي شيء هو ؟ قالت :
عجنت طينته بالحلاوة ، وخمرت في إناء الجلالة ، حلو المجتنى ما أقصر ، فإذا أفرط عاد خبلا قاتلا ، وفسادا معضلا ، وهو شجرة ، غرسها كربة ، ومجتناها لذيذ ، ثم ولت وأنشأت تقول :
وذي قلق لا يعرف الصبر والعزا * له مقلة عبرا أضر بها البكا
وجسم عليل من شجا لاعج الهوى * فمن ذا يداوي المستهام من الضنا
ولا سيما والحب صعب مرامه * إذا عطفت منه عواطف بالفنا
( مسامرات ح 1 )
قال الجنيد : حججت على الوحدة ، فجاورت بمكة ، فكنت إذا جن الليل دخلت أطوف ، فإذا بجارية تطوف وهي تقول :
أبى الحب أن يخفى وكم قد كتمته * فأصبح عندي قد أناخ وطنبا
إذا اشتد شوقي هام قلبي بذكره * وإن رمت قربا من حبيبي تقرّبا
ويبدو فأفنى ثم أحيا بذكره * ويسعدني حتى ألذ وأطربا
قال : فقلت لها : يا جارية ، أما تتقين اللّه في هذا المكان ؟ تتكلمين بهذا الكلام ، فالتفتت إليّ وقالت : يا جنيد !
لولا التقى لم ترني * أهجر طيب الوسن
إن التقى شردني * كما ترى عن وطني
أفرّ من وجدي به * فحبه هيمني
ثم قالت : يا جنيد ! تطوف بالبيت أم برب البيت ؟ قلت : أطوف بالبيت ، فرفعت رأسها إلى السماء وقالت : سبحانك ما أعظم شأنك في خلقك ، خلق كالأحجار يطوفون بالأحجار ، ثم أنشأت تقول :
يطوفون بالأحجار يبغون قربة * إليك وهم أقسى قلوبا من الصخر
وتاهوا ولم يدروا من التيه من هم * وحلّوا محل القرب في باطن الفكر
فلو صدقوا في الود غابت صفاتهم * وقامت صفات الود للحق في الذكر