قلت له إن كنت لي منفيا * من غير ما تحكم فاستبق
ما أنا غير لا ولا عينكم * لأنني أعلم من يلقي
فانظر إلى الحكمة مكشوفة * في الخلق وتنعت بالحق « 1 »
ويضيف على ذلك مبررا موقفه من المنكرين عليه قوله وموضحا ما جاء به معنى الاتحاد فقال : " وهذا هو منزل الاتحاد الذي ما سلم أحد منه ولا سيما العلماء باللّه الذين علموا الأمر على ما هو عليه ، ومع هذا قالوا به . فمنهم من قال به عن أمر إلهي ، ومنهم من قال به مما أعطاه الوقت والحال ، ومنهم من قال به ولا يعلم أنه قال به .
فأحوال الخلق مختلفة . فأما أصحاب النظر العقلي فأحالوه لأنه عندهم تصير الذاتين ذاتا واحدة ، وذلك محال ، ونحن وأمثالنا نرى ذاتا واحدة لا ذاتين ونجعل الاختلاف في النّسب والوجوه والعين واحدة في الوجود ، والنسب عدمية وفيها وقع الاختلاف فتقبل الضدين الذات الواحدة في نسبتين مختلفتين ، فاللّه يقول :
فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ
« 2 » " « 3 » .
فالفناء إذن بمعناه الصوفي هو ما يتحقق به أهل الطريق من الواصلين ، فإنه لا بد أن يعقبه البقاء « * » الذي يفسره ابن عربي أيضا بأنه التحقق من زوال الصور الفانية والبقاء بالذات الأبدية . ويذكر أن حقيقة هذه الذات المطلقة لا وصول لأي إنسان إليها مهما كان شأنه ، حيث أنه " لا يزال الحق في هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق وشهود لأنه لا قدم للحادث في ذلك " « 4 » .
ويعرّف ابن عربي البقاء مقابل الفناء ، حيث يرى أن البقاء هو بفعل الحق للحق على حين أن الفناء هو بفعل الحق للخلق ، إذ يرى في البقاء استمرارية الوجود وديموميته لا غير فيقول : " البقاء استمرار الوجود لا غير ، لا عين صفة فيبقى فيحتاج
هامش
( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 740 .
( 2 ) سورة التوبة ، الآية : 6 م .
( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 740 .
( * ) رؤية العبد قيام اللّه على كل شيء ، ( اصطلاحات الشيخ محي الدين بن عربي ، ص 6 ) .
( 4 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، الفص الآدمي ، ص 55 . ( انظر الفلسفة الصوفية في الإسلام ، عبد القادر محمود ، ص 356 ) .