تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
تصويره للبقاء تصويرا أكمل في المضمون وأشمل في المعنى بحيث تكون نسبته إلى الحق أعلى من أي نسبة أخرى ، على حين أن الفناء تكون نسبته للخلق لأنه أدنى في منزلته من الحق ، فيقول : " إعلم أن نسبة البقاء عندنا أشرف في هذا الطريق من نسبة الفناء ، لأن الفناء عن الأدنى في المنزلة أبدا عند الفاني ، والبقاء بالأعلى في المنزلة أبدا عند الباقي ، فإن البقاء هو الذي أفناك عن كذا ، فله القوة والسلطان فيك ، فالبقاء نسبتك إلى الحق ، وإضافتك إليه ، أعني البقاء في هذا الطريق عند أهل اللّه تعالى فيما اصطلحوا ، والفناء نسبتك إلى الكون ، فإنك تقول فنيت عن كذا ، أو نسبتك إلى الحق أعلى ، فالبقاء في النسبة أعلى لأنهما حالان مرتبطان ، فلا يبقى في هذا الطريق إلا فان ، ولا يفنى إلا باق . . . ففي نسبة البقاء شهود الحق ، وفي نسبة الفناء شهود خلق . . . فلا بد من شهود الحق ، فإنه لا بد من إحضارك إياه في قلبك وتعقلك إياه فحينئذ تقول بقيت بالحق ، فهذه النسبة أشرف وأعلى لعلو المنسوب إليه ، فحال البقاء أعلى من حال الفناء ، وإن تلازما كانا للشخص الواحد في زمان واحد ، فلا خفاء على ذي نظر سليم في الفرق بين النسبتين في الشرف والمنزلة " « 1 » . وهو في هذا يتسق مع منطق مذهبه إذ يرى أن البقاء والفناء ليسا سوى نسب وإضافات تضاف إلى الحق والخلق ، ونعوت يتصف بها كل من الحق والخلق ، وهذا عين مذهبه في الوحدة والكثرة ، إذ الكثرة ليست سوى إضافات ونسب منها الثابت ومنها الزائل ، يقول : " إن البقاء نسبة لا تزول ولا تحول ، حكمها ثابت حقا وخلقا وهو نعت إلهي ، والفناء نسبة تزول ، وهو نعت كياني لا مدخل له في حضرة الحق ، وكل نعت ينسب إلى الجانبين فهو أتم وأعلى من نسبة الربوبية والسيادة إليه " « 2 » . وإذا أخذنا بفكرة الأعيان الثابتة لدى ابن عربي ، فهل يصدق عليها القول بالبقاء لما هي عليه من وجود في العلم الإلهي ؟ وهل لها التقدم أم لها العدم ؟ . إن ما نراه أن ابن عربي لا يهمل البحث في هذا الأمر ، فهو يربط بين فكرته في البقاء والفناء وبين قوله بالأعيان الثابتة ، إذ أن هذه الأعيان كما يراها ثابتة في العلم
هامش
( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 678 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 679 .